الحر بدأ مبكرًا.. كيف يدخل شرق المتوسط صيفًا أكثر سخونة؟

شارك:

مع نهاية حزيران/يونيو، لم تعد حرارة أيار/مايو مجرد رقم في تقرير مناخي صدر بعد انتهاء الشهر. فقد دخل نصف الكرة الشمالي فصل الصيف بالفعل، بينما تتوالى المؤشرات على موسم أشد حرارة؛ موجات حر واسعة في أوروبا، درجات حرارة بحرية مرتفعة، وتوقعات موسمية ترجح حرارة أعلى من المعتاد في مناطق واسعة، بينها أوروبا وشمال أفريقيا.

في تقريره عن أيار/مايو 2026، قال برنامج كوبرنيكوس لتغير المناخ إن الشهر كان ثاني أحر أيار/مايو مسجل عالميًا في قاعدة بيانات ERA5، بمتوسط حرارة سطحية بلغ 15.81 درجة مئوية، أي 0.55 درجة فوق متوسط الفترة المرجعية 1991-2020، و1.42 درجة فوق تقديرات ما قبل العصر الصناعي. كما بلغ متوسط حرارة سطح البحر بين خطي عرض 60 جنوبًا و60 شمالًا 20.90 درجة مئوية، وهو ثاني أعلى مستوى مسجل لهذا الشهر.

لكن أهمية هذه الأرقام لا تقف عند أيار/مايو. فخلال النصف الثاني من الشهر، انتقلت مناطق واسعة في غرب أوروبا من أجواء أبرد من المعتاد إلى واحدة من أشد موجات الحر المبكرة المسجلة في هذا الوقت من العام، مع تحطيم أرقام قياسية في فرنسا وبريطانيا وإيرلندا والبرتغال، ووصول الإحساس الحراري في مناطق واسعة إلى ما بين 35 و40 درجة مئوية.

ثم جاء حزيران/يونيو ليجعل الإنذار أكثر قربًا. ففي أواخر الشهر، عاشت أوروبا موجة حر جديدة مع درجات اقتربت من 40 درجة وتجاوزتها في بعض المناطق. وفي فرنسا، سُجلت درجات شديدة الارتفاع في مدن جنوبية وغربية، بينما أصدرت دول أوروبية تحذيرات صحية، وواجهت شبكات النقل والمدارس والبنية التحتية ضغوطًا مرتبطة بالحرارة. هكذا لم تعد حرارة أيار/مايو حدثًا معزولًا، بل جزءا من بداية صيف دخل مبكرًا إلى مساحة الخطر.

من أوروبا إلى المتوسط

قد يبدو الخبر، في ظاهره، أوروبيًا. لكن حوض المتوسط لا يتعامل مع الحرارة كظاهرة محلية منعزلة. فالمنطقة كلها، من جنوب أوروبا إلى شرق المتوسط وشمال أفريقيا، تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية لتغير المناخ. وحين ترتفع الحرارة مبكرًا في شمال الحوض وغربه، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا في شرقه وجنوبه؛ ماذا يحدث عندما يبدأ موسم السخونة قبل أوانه، ويطول زمن التعرض للحرارة؟

بالنسبة إلى شرق المتوسط والشرق الأوسط، لا تأتي الحرارة وحدها. تأتي ومعها مدن مكتظة، طلب متزايد على الكهرباء، شبكات مياه مرهقة، عمالة واسعة في الهواء الطلق، وسواحل تعيش تحت تأثير رطوبة البحر وارتفاع حرارته. لذلك، لا تكون قراءة أرقام كوبرنيكوس تمرينا علميا بعيدا، بل مدخلا لفهم ضغط يومي يتوزع بين الصحة العامة، وفواتير الطاقة، وإنتاجية العمل، وأمان المدن.

البحر الأكثر دفئا ليس خلفية زرقاء في الصورة. حين ترتفع حرارة سطح البحر، تزيد احتمالات الليالي الرطبة والخانقة في المدن الساحلية، ويصبح تبريد الجسم أصعب بعد نهار طويل من الحرارة. كما يمكن للبحار الدافئة أن تضيف طاقة ورطوبة إلى بعض أنظمة الطقس، عندما تتوافر الظروف الجوية المناسبة، فتتحول المشكلة أحيانا من الجفاف وحده إلى أمطار شديدة قصيرة المدة وسيول مفاجئة.

في شرق المتوسط، حيث تمتد سواحل مصر وبلاد الشام وتركيا وقبرص، تعني هذه المعادلة أن قراءة الترمومتر وحدها قد لا تكفي. فقد تكون درجة الحرارة في مدينة ساحلية أقل من مدينة داخلية، لكن الرطوبة ودفء الليل وكثافة العمران تجعل العبء الحراري على السكان أكبر مما يوحي به الرقم المجرد.

صيف لا تختبره الأجسام وحدها

الخطر في موجات الحر المبكرة أنها توسع الموسم الذي يحتاج فيه الناس إلى التأقلم. لا يتضرر الجميع بالطريقة نفسها. من يملك منزلا معزولًا ومكيفًا يستطيع الهروب من الحر، ولو بكلفة كهرباء أعلى. لكن عامل البناء، والمزارع، وسائق التوصيل، وبائع الشارع، ومن يعيشون في مساكن سيئة التهوية، يدفعون ثمنا مباشرا من أجسادهم.

في مدن شرق المتوسط، يصبح هذا الفرق أكثر حدة. المدن الساحلية مثل الإسكندرية وبيروت وطرابلس وغزة واللاذقية وإزمير لا تواجه الحرارة فقط، بل تواجه مزيجًا من الرطوبة والكثافة السكانية والضغط على البنية التحتية. وفي الداخل، تزداد وطأة الحر مع شح المياه وتراجع قدرة الزراعة على التنبؤ بالموسم. هكذا يتحول “الصيف الحار” من وصف جوي مألوف إلى اختبار اجتماعي واقتصادي.

وتشير التوقعات الموسمية للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى ميل واسع نحو درجات حرارة أعلى من المعتاد خلال حزيران/يونيو وتموز/يوليو وآب/أغسطس في مناطق واسعة من العالم، بينها أوروبا وشمال أفريقيا. كما تشير المنظمة إلى ارتفاع احتمالات تطور ظاهرة إل نينيو خلال الصيف، وهي ظاهرة لا تعني تلقائيا موجة حر في شرق المتوسط، لكنها تزيد أهمية متابعة أنماط التطرف المناخي عالميا، لأنها تؤثر في توزيع الحرارة والأمطار في مناطق عدة.

لا يعني ذلك أن شرق المتوسط يعيش في نهاية حزيران/يونيو موجة قياسية موحدة. هذه ستكون مبالغة غير دقيقة. الأدق أن المنطقة تدخل الصيف تحت ضغط أوسع: حرارة مرتفعة في الداخل، رطوبة ضاغطة على السواحل، طلب أكبر على التبريد، ومجتمعات لا تملك كلها القدرة نفسها على الاحتماء من الحر.

حين يتغير المطر أيضًا

ولا تعني السخونة أن كل المناطق ستجف بالطريقة نفسها. فقد أظهر تقرير كوبرنيكوس عن أيار/مايو تباينًا واضحًا بين مناطق أوروبية أكثر جفافًا، وأخرى شهدت أمطارًا وفيضانات، خصوصًا في تركيا وبلغاريا ومولدوفا ومنطقة البحر الأسود. هذه المفارقة مهمة لشرق المتوسط أيضًا، لأن التطرف المناخي لا يظهر فقط في قلة المطر، بل في اضطراب توزيعه: أسابيع جافة وطويلة، ثم هطول عنيف في وقت قصير، بما يفوق قدرة الشوارع وشبكات الصرف على الاستيعاب.

في هذا السياق، يصبح الحديث عن الصيف أكثر اتساعًا من الحرارة. إنه حديث عن المياه، والكهرباء، والعمل، والصحة، وتصميم المدن. فإذا كان شهر أيار/مايو قد أظهر أن موجات الحر قد تأتي مبكرا وبسرعة لا تترك وقتا للتأقلم، فإن نهاية حزيران/يونيو تطرح السؤال العملي: هل تستعد مدن شرق المتوسط للتعامل مع الحر باعتباره خطرا صحيا وبنيويا، أم تتركه في خانة الطقس العابر؟

لا تقول أرقام كوبرنيكوس إن صيف شرق المتوسط سيكون نسخة طبق الأصل من موجات غرب أوروبا. لكنها تقول إن خط الأساس يتحرك. ما كان يوما استثناء مبكرا صار جزءا من نمط يتكرر، وما كان خبرًا مناخيًا بعيدا صار يطرق أبواب المدن الساحلية، من فواتير الكهرباء إلى غرف الطوارئ، ومن الحقول إلى الأرصفة. في شرق المتوسط، لم يعد الصيف مجرد فصل حار. إنه اختبار لقدرة المدن على حماية سكانها في عالم يسخن أسرع مما اعتادت عليه.

Picture of عبد الحليم حفينة

عبد الحليم حفينة

صحفيّ مصري، مهتمّ بتغطية القضايا الثقافية والعلمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

logo-oxary
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et dolore