لم تعُد خطورة حرائق الغابات تُقاس بعددها أو بمساحة ما تلتهمه من أرضٍ وحده. صار السؤال الأهم اليوم: كيف تحترق الغابة؟ وهل تخرج من النار قادرةً على التعافي، أم تتحوّل إلى ضربةٍ تقضي على الأشجار وتعيد تشكيل النظام البيئي من جذوره؟
دراسة حديثة من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس تقدّم إجابةً مقلقة؛ إذ وجدت أن مساحات الغابات التي تعرّضت لحرائق عالية الشدة في الولاية تضاعفت نحو ثلاثين مرة بين عامي 1985 و2024، وأن هذه الزيادة ارتبطت باتجاهات الجفاف الناجمة عن تغيّر المناخ، خصوصًا في المناطق كثيفة الغطاء الغابي.
ولا تعني هذه النتيجة أن كاليفورنيا وحدها في مرمى الخطر. صحيح أن الدراسة اقتصرت على ولايةٍ بعينها، لكن ما تكشفه يَعني مناطق أخرى تشاركها ظروفها المناخية والبيئية، وفي مقدّمتها حوض المتوسط، حيث تتقاطع الحرارة المرتفعة والجفاف والرياح وزحف العمران نحو الغابات، فتغدو الحرائق أبهظ كلفةً على الطبيعة والإنسان معًا.
ليست كل الحرائق سواء
في النُّظُم الطبيعية، ليست النار كارثةً مطلقة على الدوام. فبعض الغابات اعتادت تاريخيًا حرائق منخفضة أو متوسطة الشدة، تنظّف الأرض من المواد الجافة وتفتح المجال أمام تجدّد أنواعٍ نباتية بعينها. أما الحرائق عالية الشدة فمختلفة تمامًا؛ فهي لا تمرّ على الغابة كاضطرابٍ عابر، بل تقتل الأشجار الناضجة، وتُحرق البذور والمواد العضوية في التربة، وتترك مساحاتٍ واسعة عاجزةً عن التعافي السريع.
هنا يصبح قياس «المساحة المحترقة» وحده مضلِّلًا. فقد يلتهم حريقٌ منخفض الشدة ألف هكتار، وتتعافى أجزاء كبيرة منه خلال سنوات. وقد يحرق حريقٌ شديد مساحةً أصغر، لكنه يترك أثرًا أعمق في التربة والغطاء النباتي والكربون المخزَّن والتنوّع البيولوجي. لذلك لا يكفي أن نسأل: كم احترق؟ بل علينا أن نسأل: بأي شدةٍ احترق؟ وماذا بقي بعد أن خمدت النار؟
وتلفت الدراسة إلى أن الحرائق عالية الشدة في كاليفورنيا باتت تتفوّق على ما يمكن وصفه بالحرائق «الترميمية» أو الأقل تدميرًا. وهو تحوّلٌ بالغ الدلالة، لأنه يعني أن النار لم تعُد تؤدّي دورها البيئي القديم، بل صارت في كثيرٍ من الأحيان عاملًا يغيّر وجه الغابة بدل أن يمنحها فرصة التجدّد.
ماذا يعني ذلك للمتوسط؟
بالنسبة إلى دول المتوسط، تبدو الرسالة واضحة. فإسبانيا واليونان وإيطاليا وتركيا ولبنان والجزائر والمغرب وتونس وسواها تعرف بالفعل مواسم حرائق متكرّرة، لكن الخطر الجديد لا يكمن في تزايد عددها فحسب، بل في ارتفاع احتمال تحوّل بعضها إلى حرائق شديدةٍ يستعصي إخمادها.
ففي مناخٍ أشدّ حرارة، تجفّ النباتات والتربة بوتيرةٍ أسرع. وكلما طالت فترات الجفاف، تحوّلت الأغصان والأوراق والنباتات الصغيرة إلى وقودٍ جاهز للاشتعال. فإذا تزامن ذلك مع موجات حرٍّ ورياحٍ قوية، أمكن لحريقٍ محدود أن يستفحل سريعًا إلى حريقٍ واسعٍ عنيف، لا تملك فرق الإطفاء وقتًا كافيًا لمحاصرته.
ولا يتوقف الخطر عند حدود الغابات. ففي المتوسط تتداخل القرى والطرق والمزارع والمنتجعات مع الأحزمة الخضراء والجبال، وهو تداخلٌ يجعل الحريق قضية مدنٍ وصحةٍ واقتصاد، لا قضية غاباتٍ وحدها. فالدخان يهدّد جودة الهواء، والرماد يتسرّب إلى المياه والتربة، وفقدان الغطاء النباتي يفاقم خطر الانجراف والسيول لاحقًا، خصوصًا حين تهطل أمطار غزيرة عقب موسم حريقٍ شديد.
الكربون العائد إلى الهواء
الغابات ليست مجرد منظرٍ طبيعي؛ إنها مخزنٌ للكربون، ودرعٌ للتربة، وموطنٌ للتنوّع البيولوجي. وحين تحترق بشدة، لا تفقد المنطقة أشجارها فقط، بل تفقد جانبًا من قدرتها على تخزين الكربون مستقبلًا. فالأشجار الميتة تطلق الكربون مع الاحتراق والتحلّل، والتربة المتضرّرة قد تخسر جزءًا من مادتها العضوية، بينما يحتاج الغطاء النباتي سنواتٍ طويلة ليستعيد قدرته على الامتصاص والتخزين.
ولهذا تغدو الحرائق حلقةً في دورةٍ مناخية معقّدة: فتغيّر المناخ يهيّئ ظروف الحرارة والجفاف التي تجعل الحرائق أيسر وأعنف، والحرائق الشديدة بدورها تطلق مزيدًا من الكربون وتُضعف قدرة الغابات على تعويضه. وهكذا لا تكون النار نتيجةً لتغيّر المناخ وحسب، بل قد تصير عاملًا يضاعف آثاره متى خرجت عن نطاقها الطبيعي.
من مكافحة الحرائق إلى إدارة الخطر
الدرس الأهم في الدراسة ليس انتظار مزيدٍ من طائرات الإطفاء؛ فمكافحة الحرائق تبدأ قبل الاشتعال لا بعده. تحتاج دول المتوسط إلى خرائط أدقّ لمناطق الخطر، ومتابعةٍ لرطوبة التربة والغطاء النباتي عبر الأقمار الصناعية، وإدارةٍ أفضل للمواد القابلة للاشتعال حول الغابات والقرى، وخطط إخلاءٍ واضحة، وأنظمة إنذارٍ مبكر يفهمها السكان قبل أن تبلغهم ألسنة اللهب.
وتحتاج السياسات العامة كذلك إلى التمييز بين أنواع الحرائق؛ فليست كل مساحةٍ محترقة تعني القدر نفسه من الضرر، وليست كل غابةٍ قادرة على التعافي بالسرعة ذاتها. فالغابات المتنوّعة، والمناطق التي لا تتراكم فيها المواد الجافة، والمناظر الأقل تجانسًا، أقدرُ على مقاومة الحريق أو التعافي منه؛ أما الغابات المنهَكة بالجفاف والحرارة والإهمال، فتتحوّل إلى وقودٍ ينتظر الشرارة.
في حوض المتوسط، حيث يتقدّم الصيف أشدّ سخونةً وجفافًا، لم تعُد الحرائق حدثًا موسميًا عابرًا، بل اختبارًا لقدرة الدول على قراءة الخطر قبل اندلاعه، وعلى حماية الغابات بوصفها بنيةً طبيعية تصون المناخ والمياه والصحة والاقتصاد.
فالخطر لم يعُد مجرّد أن تحترق غاباتٌ أكثر؛ الخطر الأكبر أن تحترق على نحوٍ لا يترك لها فرصةً للعودة.















