الفحم الحيوي ليس وصفة جاهزة.. نموذج جديد يساعد الزراعة على مواجهة المناخ

شارك:

في زمن تبحث فيه الزراعة عن حلول تقلل الانبعاثات وتحافظ على الإنتاج، يبرز “الفحم الحيوي” كأحد الخيارات الواعدة. لكن السؤال الأصعب لم يكن: هل يمكن أن يساعد الفحم الحيوي؟ بل: أين يساعد فعلًا، وبأي كمية، وفي أي تربة، ومع أي محصول؟

وتحاول دراسة عالمية جديدة الاقتراب من هذه الإجابة. فقد عمل فريق بحثي من جامعة كونيتيكت الأميركية، بمشاركة باحثة مرتبطة أيضا بجامعة نانجينغ الزراعية في الصين، على تطوير نموذج يساعد في فهم متى وأين يكون استخدام الفحم الحيوي أكثر فاعلية. ونُشرت النتائج في دورية Biochar المتخصصة في أبحاث الفحم الحيوي

فقد طوّر باحثون نموذجًا قائمًا على العمليات الحيوية والبيئية، يحمل اسم DLEM-Ag-Biochar، لمحاكاة الطريقة التي يتفاعل بها الفحم الحيوي مع المحاصيل والتربة والمياه والنيتروجين والكربون العضوي في التربة وانبعاثات غازات الدفيئة. والهدف ليس تقديم حل عام لكل المزارعين، بل تحويل استخدام الفحم الحيوي إلى قرار أكثر دقة بحسب الموقع والظروف المحلية.

ويعد الفحم الحيوي مادة غنية بالكربون، تُنتج عبر تسخين المخلفات الحيوية في بيئة محدودة الأكسجين. وخلال السنوات الأخيرة، نال اهتمامًا متزايدًا بوصفه أداة محتملة في الزراعة الذكية مناخيًا، لأنه قد يساعد التربة على تخزين الكربون، والاحتفاظ بالمغذيات والمياه، ودعم الإنتاج الزراعي، وتقليل بعض الانبعاثات. لكن هذه الفوائد لا تظهر بالطريقة نفسها في كل مكان.

وهنا تكمن أهمية النموذج الجديد. فبدلا من التعامل مع الفحم الحيوي كإضافة زراعية تصلح للجميع، اختبر الباحثون أداء النموذج اعتمادا على بيانات من 48 موقعا لتجارب حقلية موزعة على 12 دولة، تشمل أربع مناطق مناخية، و10 أنواع من قوام التربة، وستة نظم زراعية، و11 نوعًا من المواد الأولية المستخدمة في إنتاج الفحم الحيوي.

من “حل واعد” إلى قرار محسوب

تقول الدراسة إن فوائد الفحم الحيوي تتأثر بقوة بالمناخ المحلي، وقوام التربة، ونوع المحصول، ومعدل الإضافة. لذلك ركز النموذج على ثلاثة محاصيل رئيسية في الأمن الغذائي العالمي: الذرة والقمح وفول الصويا. وقيّم ثلاثة مؤشرات أساسية للزراعة الذكية مناخيًا: إنتاجية المحصول، والكربون العضوي في التربة، وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

جاء أداء النموذج لافتًا مقارنة بالملاحظات الحقلية. ففي توقع إنتاجية المحاصيل، حقق معامل تفسير بلغ 0.78 عبر 418 ملاحظة. وفي توقع الكربون العضوي في التربة، بلغ 0.72 عبر 228 ملاحظة. أما في توقع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، فكان الأداء الأقوى، إذ بلغ 0.91 عبر 88 ملاحظة. وتعني هذه النتائج أن النموذج قادر، بدرجة معتبرة، على التقاط أنماط تأثير الفحم الحيوي في النظم الزراعية المختلفة.

لكن الأرقام لا تعني أن النموذج يعمل بالدقة نفسها في كل مكان. فقد وجدت الدراسة أن التوقعات الخاصة بالإنتاجية كانت أقوى في المناطق المدارية والمعتدلة، وأقل دقة في المناطق الجافة. كما كان أداء النموذج أفضل في التربة متوسطة القوام، بينما تراجعت موثوقية التوقعات في التربة الخشنة. واختلف الأداء أيضا بين محاصيل الذرة والقمح وفول الصويا.

هذه التفاصيل مهمة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تتداخل الزراعة مع تحديات الجفاف، وتدهور التربة، وندرة المياه، وارتفاع الحرارة. ففي بيئات جافة أو شبه جافة، لا يكفي نقل وصفة ناجحة من منطقة أخرى. ما يصلح في تربة رطبة أو معتدلة قد لا يعطي النتائج نفسها في أرض فقيرة بالمادة العضوية أو معرضة للإجهاد المائي.

الكمية تصنع الفارق

توقفت الدراسة كذلك عند معدل إضافة الفحم الحيوي. فقد أظهرت النتائج أن المعدلات المتوسطة أعطت أفضل محاكاة لإنتاجية المحاصيل، بينما بدت المعدلات الأعلى أفضل في توقع الكربون العضوي في التربة وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون. هذه النتيجة تكشف جوهر المعضلة: قد لا تكون الكمية المثلى لزيادة الإنتاج هي نفسها الكمية المثلى لتخزين الكربون أو خفض الانبعاثات.

لذلك، لا يمكن النظر إلى الفحم الحيوي باعتباره مجرد مادة تُضاف إلى التربة. إنه تدخل زراعي ومناخي في الوقت نفسه، يحتاج إلى موازنة بين أهداف متعددة: إنتاج غذاء أكثر، تحسين خصوبة التربة، تخزين الكربون، وتقليل الانبعاثات. وقد تكون الأولوية في منطقة ما هي زيادة الإنتاج، بينما تكون في منطقة أخرى تحسين قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه أو رفع مخزونها من الكربون.

النموذج الجديد يحاول مساعدة المزارعين ومديري الأراضي وصناع السياسات على مقارنة السيناريوهات قبل تنفيذها في الحقل. أي أنه يمكن أن يصبح أداة لتقدير أين يرجح أن يحسن الفحم الحيوي الإنتاج، وأين يزيد الكربون العضوي في التربة، وأين يساهم بصورة أكبر في التخفيف من تغير المناخ.

فرصة للزراعة في المنطقة.. ولكن بشروط

بالنسبة إلى دول الشرق الأوسط، تبدو الفكرة جذابة. فالمنطقة تمتلك كميات كبيرة من المخلفات الزراعية التي يمكن، نظريا، تحويل بعضها إلى فحم حيوي بدلا من حرقها أو التخلص منها بطرق ملوثة. كما أن كثيرا من الأراضي الزراعية تعاني ضعف المادة العضوية، وتحتاج إلى حلول تحسن احتفاظ التربة بالمياه والمغذيات في ظل مناخ أكثر حرارة وجفافا.

لكن الخطر أن يتحول الفحم الحيوي إلى شعار جديد بلا تطبيق دقيق. فالبيان العلمي نفسه يوضح أن الفوائد ليست واحدة في كل مكان، وأن المناطق الجافة والتربة الخشنة لا تزال تحتاج إلى بيانات ونماذج أكثر قوة. وهذا يعني أن إدخال الفحم الحيوي في سياسات الزراعة المناخية يجب ألا يتم عبر توصيات عامة، بل عبر تجارب محلية طويلة المدى، تقيس أثره على الإنتاج والمياه والتربة والانبعاثات في الظروف الواقعية.

كما أن إنتاج الفحم الحيوي نفسه يحتاج إلى حوكمة. فليس كل مصدر حيوي مناسب، وليس كل نظام إنتاج منخفض الانبعاثات. إذا استُخدمت مخلفات زراعية بطريقة مستدامة، وجرى إنتاج الفحم الحيوي بتقنيات مضبوطة، فقد يصبح جزءا من منظومة زراعية أكثر كفاءة. أما إذا تحول إلى نشاط غير منظم، فقد ينقل المشكلة من الحقل إلى سلسلة الإنتاج.

الدراسة الجديدة لا تقدم الفحم الحيوي كحل سحري، وهذا تحديدا ما يجعلها مهمة. فهي تنقل النقاش من الحماس العام إلى السؤال العملي: ما الموقع المناسب؟ ما نوع التربة؟ ما المحصول؟ ما الكمية؟ وما الهدف الأساسي، الإنتاج أم تخزين الكربون أم خفض الانبعاثات؟

في عالم يطلب من الزراعة أن تنتج أكثر وتلوث أقل، قد لا تكون الإجابة في مادة واحدة، بل في القدرة على استخدام الأدوات المناسبة في المكان المناسب. والفحم الحيوي، كما تقول الدراسة، قد يكون أداة مهمة، بشرط ألا يُعامل كحل واحد لكل الحقول.

شارك:

Picture of عبد الحليم حفينة

عبد الحليم حفينة

صحفيّ مصري، مهتمّ بتغطية القضايا الثقافية والعلمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

logo-oxary
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et dolore