يكشف مشروع “الإبادة البيئية” الصحافي، بقيادة منظمة التحقيقات الاستقصائية البيئية (EIF) وشبكة التعاون الاستقصائي الأوروبي (EIC)، أنّ تراخيص النفط والغاز تتداخل مع أكثر من 7000 منطقة محمية حول العالم، بمساحة تَداخل إجمالية تبلغ 690 ألف كم²، أي ما يفوق مساحة فرنسا، وذلك على الرغم من القوانين السارية والجهود المستمرة لحماية مناطق التنوع البيولوجي الرئيسية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أُنتج هذا التحقيق بدعم Journalismfund Europe و«الصحافة الاستقصائية من أجل أوروبا» (IJ4EU)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على بعد عشرات الأمتار من مسطّح مائي لمحمية أشتوم الجميل، تومض شعلة غاز متصاعدة من مدخنة على طريق يربط بين دمياط وبورسعيد، بين البحر المتوسط وبحيرة المنزلة التي تتمدد فيها المحمية على مسافة 203 كيلومترات. المشهد المألوف لدى راكبي الطريق نحو قرى غرب بورسعيد: لهب لا يلفت انتباهاً يخرج من مصنع الشركة المصرية لإنتاج البروبيلين التابعة لحقل ظهر.
يتتبع هذا التحقيق أثر اقتراب صناعات البترول والغاز من نظم بيئية حساسة في مصر، مُركزاً على خليج السويس وبورسعيد وساحل البحر المتوسط، بالاستناد إلى خرائط امتيازات، وأرقام المساحات والتقاطع مع المحميات الطبيعية، وسجل الحوادث، وشهادات الصيادين ومسؤولي المحميات.
أشتوم الجميل: محميّة على بعد حجر من المعامل

مصدر الصورة: محمد عوض – أوزون/درج – أشتوم الجميل، مصر
سُجّلت منطقة أشتوم الجميل كمحميّة عام 1988، وأنشئ مصنع الشركة المصرية لإنتاج البروبيلين عام 2016. تتجاور منشآت المصنع مع المبنى الإداري للمحمية على نحو 200 متر، وتطل معاملها على الشاطئ البحري للمحمية على بحيرة المنزلة. تقع الشركة على الطريق الساحلي بين بورسعيد ودمياط، بين المتوسط شمالاً والمنزلة جنوباً، وتمتد محطات غرب بورسعيد لمعالجة غاز حقل ظهر بطول يقارب الـ5 كيلومترات حتى قرى الديبة والمناصرة والجرابعة غرب بورسعيد. ينتج حقل ظهر نحو 35 في المئة من الإنتاج المحلي للغاز، ويدار بشراكة مصرية مع شركة إيني الإيطالية. تؤثر مشروعات إيني في مصر على نطاق نحو 680 كم² براً وبحراً.
تصنّف أشتوم الجميل ضمن مناطق الأراضي الرطبة بحسب وزارة البيئة، لكنها ليست ضمن مواقع مصر الأربعة المسجلة في اتفاقية رامسار (البردويل، البرلس، قارون، وادي الريان). وبحسب الموقع الرسمي للشركة، تستقبل ناقلات البروبان والبروبيلين بسعة 10–20 ألف طن، مع سفينة شهريا، بإجمالي نحو 120 ألف طن سنوياً.
على بعد نحو 5 كيلومترات من نطاق المحمية يبدأ الحيز السكني لقرى الديبة والمناصرة والجرابعة المطلة مباشرة على بحيرة المنزلة. السكان في غالبيتهم يعملون في الصيد، وقد اضطر كثر منهم للانتقال إلى مناطق أبعد بعد إغلاق مناطق قريبة لصالح شركات الغاز غرب بورسعيد. العربي سيد (65 عاماً، اسم مستعار) تفهم العائد الاقتصادي لحقل ظهر لكنه تقاعد؛ لأنه لا يقوى على التجديف لمسافة أبعد داخل البحيرة، ويعيش على معاش تضامن اجتماعي.
يقول: “الصيد تأثر بسبب التلوث وإغلاق مناطق قريبة، ومشروع تكريك البحيرة شال جزر كتير؛ دلوقتي السمك أحسن نسبيا لكن خلال كام سنة اللي فاتت الكميات قلت”. العربي يعاني من الربو المزمن الذي تفاقم بعد إنشاء المصانع.

مصدر الصورة: محمد عوض – أوزون/ درج – مصر
تزامنت زيارتنا مع جولة لفريق المحمية لجمع عينات تربة ومياه داخل المنزلة لرصد أثر المصانع ومصارف الصرف الزراعي والصناعي والصحي. يقول د. حسين رشاد، خبير بقطاع محميات البحيرات الشمالية: نلتزم قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 وتعديله رقم 9 لسنة 2009؛ كل منشأة تقدم تقييم الأثر البيئي وتحدد مخرجاتها، ونحاسبها على ذلك. نخرج بقياسات دورية ومفاجئة داخل المنزلة ونطاق المحمية، أما قياس جودة الهواء وانبعاثات المداخن فتختص به إدارة الهواء بوزارة البيئة.

مصدر الصورة: محمد عوض – أوزون/ درج – أشتوم الجميل، مصر
يؤمن رشاد بقدرة أشتوم الجميل والمنزلة على التعافي باعتبارها أراضيَ رطبة تمتص الكربون وتعمل على تخزينه في التربة، ويقول إن الأراضي الرطبة تلي الغابات الاستوائية في التعامل مع الغازات المسبّبة للاحتباس الحراري.
من مبنى الإدارة تُرى مداخن تسييل الغاز و “غاز الشعلة” كمؤشر تشغيل، وتنبعث منها غازات ثاني أكسيد الكربون والميثان. الغازات المتصاعدة التي أتعبت صدور السكان ترفع نسب ثاني أكسيد الكربون، فيما تسجل بحيرة المنزلة قدرة عزل 7.79 جيغا غرام كربون/سنة، الأعلى بين بحيرات مصر الشمالية بحكم المساحة، تليها مريوط (5.09)، البرلس (4.47)، إدكو (0.99). مع ذلك تبقى قيم العزل في بحيرات مصر أدنى من مثيلاتها في أوروبا وأميركا الجنوبية والمناطق الباردة بسبب تسارع التحلّل العضوي في الحرارة المرتفعة.

مصدر الصورة: محمد عوض – أوزون/ درج – مصر
تشير دراسة مشتركة (جامعات بورسعيد والمنصورة ودمياط، 2022) عن تراكم الكربون في المنزلة: النباتات الطافية كانت تغطي 13.1 في المئة عام 2001 مقابل 23.4 في المئة للزراعة، ثم انخفض الغطاء الطافي إلى 0.7 في المئة عام 2021، وارتفعت المسطحات المائية المفتوحة إلى 49.3 في المئة. في 2021، سجلت المناطق المبنية أعلى متوسط لتخزين الكربون (6.6 طن كربون/كم²) والأراضي الجرداء الأدنى (0.1 طن/كم²). لكن أشتوم الجميل ليست حالة منفردة؛ إذ إن خرائط الامتياز تكشف شبكة أوسع من التماس بين مواقع الإنتاج وحدود المحميات.
أين تتقاطع الامتيازات مع المحميات؟
يكشف مشروع “الإبادة البيئية” الصحافي، بقيادة منظمة التحقيقات الاستقصائية البيئية (EIF) وشبكة التعاون الاستقصائي الأوروبي (EIC)، أنّ تراخيص النفط والغاز تتداخل مع أكثر من 7000 منطقة محمية حول العالم، بمساحة تَداخل إجمالية تبلغ 690 ألف كم²، أي ما يفوق مساحة فرنسا، وذلك على الرغم من القوانين السارية والجهود المستمرة لحماية مناطق التنوع البيولوجي الرئيسية.
بحسب قاعدة بيانات المشروع، تزيد رقعة تقاطع الأنشطة التعدينية مع مناطق مصنّفة محمية في مصر عن 44,000 كم²، حيث يتداخل نحو 70 ترخيص نفط وغاز مع 31 موقعًا محميًّا، وتتقاطع تراخيص أكثر من 16 شركة مشغلة على مناطق محمية: فمثلًا يتقاطع ترخيص شركة Egyptian Petroleum Holding Company (GANOPE) على أكثر من 30,000 كم² (معظمها بالصحراء الغربية) مع منطقة الجلف الكبير. تليها الشركة العامة للبترول (GPC) التي يتداخل ترخيصها مع 12 منطقة محمية بمساحة تزيد عن 4,200 كم²، وشركة CHEIRON HOLDINGS LIMITED بتأثير يزيد عن 3,100 كم²، ويتركّز عمل الشركتين في خليج السويس في استكشاف البترول والغاز واستخراجهما.
تصنف “العامة للبترول” كأعلى الشركات تأثيراً على المناطق المحمية؛ يؤثر عملها على 14 نقطة محمية في خليج السويس والبحر الأحمر. تليها CHEIRON HOLDINGS LIMITED بتقاطع مع نحو 11 نقطة محمية في خليج السويس ومحميات البحيرات الشمالية والصحراء الغربية.
في الصحراء الغربية، تتقاطع مساحة عمل CHEIRON مع نحو 40 في المئة من مدينة القصر المصنّفة تراثية لدى اليونسكو، ونحو 64 في المئة من مدينة الشويلة. وعلى المتوسط، تنشط CHEIRON قرب محمية البرلس بتقاطع قدره 11 كم²، بينما تتقاطع عمليات إيني على بحيرة المنزلة وأشتوم الجميل بمقدار كيلومتر واحد مع حدود المحمية.
لم تردّ الشركات المعنية على أسئلة “درج” قبل النشر باستثناء شركة ENI التي اعتبرت، في رد لشركاء المشروع، أنّ الامتيازات المذكورة هي تراخيص استكشاف. بالنسبة الى ترخيص تيبا، التي تتداخل مع أشتوم الجميل، هناك جزء صغير من التداخل حيث تمتدّ المنطقة المحميّة بشكل محدود إلى داخل البحر، لكنّ هذه المنطقة المحمية ليست بحرية، معتبرين أنّ خطط العمل الخاصة بالتنوّع البيولوجي (أو التدابير المعادلة لها) في عدد من الدول من بينها مصر، جارية حاليًا أو مخطَّط إطلاقها في عام 2026.
وتشير الشركة إلى أنّه “في عام 2024، كان هناك 32 امتيازاً للشركة في قطاع الاستكشاف والإنتاج تتقاطع مع 18 منطقة ذات أولوية للحفاظ على التنوع البيولوجي (بما في ذلك المناطق المحمية) حول العالم… الّا أنّ الامتيازات التي لم تدخل بعد في مرحلة التطوير أو الإنتاج، أو غير المُدارة من إيني، أو التي لا توجد لها أصول تشغيلية فعّالة في منطقة التداخل – فلا تُدرَج ضمن الإفصاح الإجمالي في تقرير الاستدامة للشركة”.
رأس غارب والمرجان: زيت أكبر مما يتحمّله البحر الأحمر
خرج خالد (اسم مستعار) من الماء وقد بللت لزوجة الزيت بدلة الغطس، وهو يفرد الشباك على ساحل رأس غارب، في منطقة تأثرت بتسرب بترولي من منصة استكشاف ظاهرة في الأفق.
يمتهن خالد الصيد منذ 25 عاماً بين رأس غارب وجبل الزيت، بنصب الشباك قرب الحيد المرجاني ثم جمعها وفرز الصيد. يقول: لم يحدث تسرب منذ فترة، لكن آثار الزيت تظهر دائماً على الشعاب أو صخور الشاطئ، وكأنها عالقة في البحر.
ترتكز أمام رأس غارب منصات التنقيب في أقدم حقول البترول المصري بخليج السويس من الزعفرانة جنوب السويس حتى شمال الغردقة. وبحسب وزارة البترول، يضم الخليج 188 موقع استخراج: جمشة، رأس شقير، رأس غارب، جبل الزيت، العين السخنة. تدير المواقع شركات: الشركة العامة للبترول، بترول غارب للخدمات البترولية، بترول خليج السويس (جابكو)، المشروعات البترولية والاستشارات الفنية (بتروجيت)، زيتكو (Zeitco) – الهيئة المصرية العامة للبترول، السويس للزيت (SUCO) – الهيئة المصرية العامة للبترول.

مصدر الصورة: محمد عوض – أوزون/ درج – رأس غارب، مصر
تقع منصات تلك الشركات على بعد 30 كيلومتراً فقط من جزر البحر الأحمر الشمالية المصنفة محمية منذ 2006، فيما تقع مناطق حقول بتروجيت وميناء شرق الزيت داخل نطاق المحمية. سجلت المنطقة حوادث تسرب: في نيسان/ أبريل 2011 تسرب 600 طن من الخام امتد أثرها 30 كيلومتراً، وهو ثاني أكبر حادث خلال أقل من عام بعد تسرب 800 طن في حزيران/ يونيو 2010 بلغ مداه المنطقة الشمالية الغربية لمحمية رأس محمد ومدينة الطور في سيناء. تشير بيانات التحقيق إلى تقاطع عمل “العامة للبترول” مع 14 منطقة محمية بجزر البحر الأحمر وملاحات رأس شقير، ووجود مواقع استكشاف واستخراج في 9 مواقع مسجلة كمحميات.
بحث أكاديمي للدكتور خليل محمد خليل (جامعة الفيوم، كانون الثاني/ يناير 2024) عن “الحساسية البيئية للتلوث ببقع الزيت بساحل خليجي السويس والعقبة”، سجل 10 حوادث بين 2010 و2013، وحادث تسرب في أيار/ مايو 2021 من الخام بحقل جمشة في موقع للشركة العامة للبترول. وفي تموز/ يوليو 2025 انهار حفار بحري لشركة خاصة أوقفت أعمالها في مصر، من دون تسربات بحسب بيان وزارة البترول.
ضمن نطاق الزيارة الميدانية في رأس غارب والزعفرانة تقع خمس محميات؛ ثلاث منها بحرية: رأس محمد، نبق، أبو جالوم، إضافة إلى محمية جزر البحر الأحمر الشمالية. الحساسية البيئية عالية واحتمالات التسرب قائمة لقرب مصادر التلوث. تتحدد المصادر المحتملة: الممر الملاحي بالخليج، حقول البترول المنتشرة، وموانئ شحن وتفريغ: على الساحل الشرقي (رأس سدر، أبو رديس، فيران بدران) وعلى الغربي (السادات، سوميد، رأس غارب، رأس شقير، جبل الزيت، شرق جبل الزيت، بتروجيت).
يقول د. محمود حنفي، المستشار العلمي لـ”هيبكا” وأستاذ علوم البحار بجامعة قناة السويس: التلوث البترولي يؤثر سلباً على البيئة البحرية. المعدل العالمي لبقع الزيت 9 كغم زيت/كم² من سطح البحر، لكنه في خليج السويس وصل في أبحاث سابقة إلى 14 كغم/كم²، وهي نسبة كبيرة وطبيعية لكثافة الشركات والآبار وموانئ الشحن.

مصدر الصورة: محمد عوض – أوزون/ درج – رأس غارب، مصر
ويضيف أن البحر الأحمر ذو أهمية بيئية استثنائية؛ ومن أهم تجمعات الشعاب المرجانية وقد يكون الأكبر عالمياً، مع توقع اختفاء الشعاب عالمياً بنهاية القرن بسبب الاحترار. يتعرض البحر الأحمر لاستخدام مفرط للتنوع البيولوجي فوق عبء التلوث؛ القدرة الاستيعابية للغوص في الغردقة ونطاق الشعاب نحو 22 ألف رحلة، بينما المسجل في الغردقة وحدها يزيد عن 200 ألف رحلة سنوياً. في البحر الأحمر، 150 موقع غوص مسجلاً بنحو 6 ملايين رحلة سنوياً. أزمة التنمية أنها ركزت على الكم الفندقي لا على الكيف البيئي. كما أن البحر الأحمر ليس منطقة صيد وفير؛ مياهه فقيرة كالصحراء ولا تنتج مادة عضوية كافية لتكاثر الأسماك إلا في الشريط الضيق للشعاب، ما يجعل الأسماك عرضة للصيد الجائر.
في رأس غارب، تقوم حياة السكان على الصيد أو العمل في البترول. تراكم ترسبات النفط وتراجع الأسماك يرتبطان بترسب الزيت على الشعاب، ما يميت المرجان وموائل الغذاء. يقول خالد: أكثر الأنواع التي قلّت السيجان والحريد لاعتمادها على الشعاب والنباتات الساحلية، والزيت يقتلها سواء من حفارات أو سفن. يتحمل الصياد كلفة إضافية: تتلوث الشباك ببقايا النفط ولا تُصلح إلا بغسلها بالبنزين أو الجازولين، فتتهتك ويضطر لتبديلها. يرتدي خالد قناعاً ونظارة وحذاء مطاطياً حتى الركبة لأن التربة الشاطئية في مناطق الصيد تشبعت بالزيت وأصبحت مثل الروبة؛ على رغم ذلك أصيب بحساسية صدر. مع أصدقائه صنع ممراً خشبياً بدائياً للمشي حتى نقطة النزول لتفادي بقع الزيت الزلقة.

مصدر الصورة: محمد عوض – أوزون/ درج – رأس غارب، مصر
تمنع السلطات الصيد في البحر الأحمر وخليج السويس بين نيسان/ أبريل وأيلول/ سبتمبر خلال فترة التكاثر؛ وقد يمتد المنع طوعياً الى رأس غارب بسبب رياح عالية تصعب الصيد وتزيد حركة الأمواج التي تشتّت بقع الزيت نحو الشاطئ. يقول عبد الحميد (اسم مستعار)، صياد بجبل الزيت: نتوقف كثيراً في شهور المنع وفترات التسرب، ولا نحصل على تعويضات كافية. في 2019 غرق مركب أمام رأس غارب وتأثرت المنطقة بالزيت طويلاً؛ حصلت جمعية الصيادين على حكم وتعويضات من شركات البترول لتأثر البيئة وعمل الصيادين، لكن الجمعية لم توزع التعويضات. يضيف: “نعمل في ظروف صعبة؛ الرياح تمنعنا أحياناً، وحين تهدأ قد يكون الشاطئ مغطى بالزيت. تراكم سنوات جعل قاع البحر بورا بموت الشعاب وهجرة الكائنات المغذية للأسماك”.
خلال جولة على الشاطئ، أشار عبد الحميد إلى نقاط سوداء: صخور ورمال تشربت بالزيت، وتلون أزرق/أسود في المياه الضحلة قرب الشط؛ “هذا السواد كان شعاباً صغيرة تحجرت بالزيت”. قرب مرسى قوارب صغيرة، تظهر منصات التنقيب في الأفق. “في رأس شقير الوضع متفاقم”. الوصول إلى منشآت رأس شقير يقتصر على العاملين ومفتشي البيئة والبترول، لكن تحليل صور أقمار صناعية أظهر مناطق التعدين وحساسيتها.
أين تتعطل الحوكمة؟
تؤكد إفادة د. حسين رشاد أن تقييم الأثر البيئي هو الوثيقة المرجعية للمحاسبة، مع إجراء قياسات ميدانية دورية ومفاجئة، وتتولى إدارة الهواء بوزارة البيئة اختصاص قياس جودة الهواء والانبعاثات. لكن الأدلة الميدانية وسجل الحوادث يطرحان سؤالاً عن كفاية التطبيق وشفافية نشر النتائج للعموم، فيما تكشف شهادات الصيادين تعثّر التعويضات على رغم صدور أحكام قضائية.
وتبدأ المعالجة بفرض شفافية ملزمة لنشر تقييمات الأثر ونتائج القياسات الهوائية والمائية بشكل دوري، يتلوها تأسيس رقابة مستقلة تعلن نتائجها على نطاق المحميات المتأثرة، مع خطط استجابة للطوارئ قابلة للتنفيذ ومعلنة للمجتمع المحلي. ويلزم تطبيق مبدأ “من يلوث يدفع” عبر تعويض عادل وملزم عند توقف الرزق بسبب التسرب، إلى جانب تحديد صارم للقدرة الاستيعابية البيئية للسياحة والغوص والصيد وضبطها.
تسرّب البترول وتدمير المنظومات الحساسة
يرى د. عادل سليمان، مدير جمعية “بيئة بلا حدود”، أن وصول التسرب إلى المحميات تدمير قاس للبيئة البحرية، بخاصة في مناطق المانجروف التي يعمل على إكثارها في محمية مرسى علم. لا تقع حوادث سفن كثيرة قرب نطاق عمله، لكن التسربات تتكرر في نطاق محميات جزر البحر الأحمر الشمالية القريبة من مناطق التنقيب. تعرض المانجروف للتلوث يقتل الجزء المسؤول عن تنفس الشجرة، بخاصة في الأعمار الصغيرة.
تقرير “غرينبيس” الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يشير إلى أن الشركات النفطية الدولية تستغل الموارد من دون اكتراث كاف بالبيئة أو المجتمعات المحلية، وأن العبء البيئي لانسكابات النفط أو الغازات يتركز على السكان. وعلى رغم الالتزام القانوني بإجراء تقييم أثر قبل كل عمليات التنقيب والاستخراج والتطوير، كثيراً ما تُنجز التقييمات بشكل صوري من دون حضور كل الأطراف المحتمل تأثرها، ومن دون جلسات استماع عامة كما تقتضي القوانين.
تبدو المحميات كجزر صمود محاصرة بمدائن النفط، من أشتوم الجميل على بعد لهب من الشاطئ، إلى المرجان في رأس غارب يختنق بـ”لزوجة الزيت”. ما يكشفه التحقيق ليس وقائع متناثرة بل نمط مستمر من اقتراب صناعات كثيفة التلوث من نظم بيئية هشة، مع تقييمات أثر بيئي شكلية وغير مفعلة.
| يأتي هذا التحقيق ضمن سلسلة مشروع «الإبادة البيئية» (Fueling Ecocide)، الذي أُنجز بالتعاون بين 13 منصة صحافية دولية، تحت تنسيق «منظمة التحقيقات الاستقصائية البيئية» (Environmental Investigative Forum – EIF) وشبكة «التعاون الاستقصائي الأوروبي» (European Investigative Collaborations – EIC).المنصّات الصحافية المشاركة: Mediapart (فرنسا)، Reporters United (اليونان)، Domani (إيطاليا)، درج (لبنان)، InfoAmazonia (البرازيل)، InfoCongo (جمهورية الكونغو الديموقراطية)، Der Standard (النمسا)، The Bureau of Investigative Journalism/TBIJ (المملكة المتحدة)، El Espectador (كولومبيا)، 24.hu (هنغاريا)، Le Soir (بلجيكا)، Expresso (البرتغال)، و InfoLibre (إسبانيا).حظي هذا التحقيق بدعم Journalismfund Europe و«الصحافة الاستقصائية من أجل أوروبا» (IJ4EU).تحليل البيانات والبيانات الجغرافية: ليوبولد سالتزنستاين (EIF)، دفني كارافولا (Reporters United)، ألكسندر بروتيل (EIF)، ويان فيليبان (Mediapart).التصميم الغرافيكي والرسوم التوضيحية: سيمون توبيه (Mediapart). |















