“حارس الأعشاب البحرية” أمام خطر الانقراض.. لماذا تتقلص أعداد الدوجونج في مصر؟

شارك:

يعتبر مصطفي بخيت نفسه محظوظًا لرؤية زوج من أبقار البحر يرعى بالقرب من جزيرة مجاويش بالغردقة، في منطقة نادرًا ما يُري فيها هذا الكائن البحري النادر، بعد أسبوع واحد من إطلاق تقرير دولي يؤكد تصنيف الحيوان البحري المعروف علميًا باسم Dugong بأنه معرض لخطر الانقراض.

في مطلع أكتوبر الفائت أطلقت اتفاقية حفظ الأنواع المهاجرة من الحيوانات الفطرية (CMS) تقريرها في المؤتمر العالمي للحفاظ على الطبيعة في أبوظبي، والذي يقدم تحديثًا عالميًا حول حالة الكائن المعروف باللغة العربية باسم “الأطوم” وهي ثدييات بحرية عاشبة، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بفصيلة خراف البحر.

بحسب مصطفى بخيت الذي يعمل مرشد غوص بمنطقة الغردقة ومرسي علم بالبحر الأحمر، تقع أقرب الأماكن للسباحة ومشاهدة الدوجونج في منطقتي مرسى مبارك ومحمية أبو دياب، حيث يتواجد فيهما أكثر الأعداد المعروفة في المنطقة.

يتابع في حديثه لـ”أوزون”: يختلف الحال في جزيرة مجاويش التي رصدنا بها زوجًا واحدًا من الدودونج، وفي الجنوب أكثر بالقرب من منطقة حماطة نعرف موقع يتواجد فيه ثلاثة منهم يتصادف رؤيتهم أحيانا.

يعرف الأطوم في مصر والسعودية والإمارات، بنطق الاسم الإنجليزي “دوجونج” وبالعربية يعرفه السكان المحليون ببقرة البحر، بينما يطلق عليه سكان محليون بقري صيد في مرسي علم وحلايب وشلاتين اسم “الجلد” بسبب حجم وسمك جلده.

يعتمد الدوجونج في غذائه على الأعشاب البحرية بوصفه ثدييًا بحريًا عاشبًا، فيما تعود هشاشته البيئية إلى دورة حياته الطويلة، التي قد تتجاوز 50 عامًا، إلى جانب معدل تكاثر بطيء للغاية، إذ تلد الأنثى عجلًا واحدًا كل ثلاث إلى سبع سنوات.

تهديدات متزايدة

وتعد شباك الصيد الجائر المهجورة والتنمية السياحية الشاطئية، من أكبر المهددات التي تواجه هذا الكائن البحري وتحد من فرصه في البقاء والحصول على الغذاء، حسبما يوضح الدكتور أمجد شعبان الباحث بمعهد علوم البحار بالسويس.

ويشدد شعبان في حديث خاص لـ”أوزون”، على أهمية الدور الذي يلعبه الدوجونج في توازن النظام البيئي البحري، حيث يسهم من خلال الرعي في نقل بذور الأعشاب إلى مناطق جديدة، بما يشبه حرث الأرض، فتنمو الأعشاب مجددًا، والتي تعمل بدورها كحاضنة لتكاثر ونمو الأسماك.

ويتابع: هذا الدور تهدده المشروعات السياحية الشاطئية، التي تؤثر على البيئة البحرية وتتسبب في تدمير مناطق الأعشاب، الأمر الذي يعرّض الدوجونج لخطر الانقراض، يضاف إلى ذلك الصيد العرضي الناتج عن حرف الصيد الجائر والشباك المهجورة التي يتركها الصيادون، والتي يمكن أن يعلق بها عَرَضيًا، بحيث تمنعه من الحركة فلا يستطيع الصعود للتنفس ما يؤدي إلى نفوقه.

ويؤكد الدكتور أمجد شعبان أن محدودية أعداد الدوجونج في مصر، والتي تقل عن 100 فرد تجعله في خطرٍ أعلى، مطالبًا بتشديد الإجراءات التي تتبعها محميات البحر الأحمر لحمايته، ومنها منع الصيد في الأماكن القريبة من مناطق الرعي الخاصة به، وكذلك منع إبحار القوارب الصغيرة حول موائل المعيشة ولذلك لمنع حوادث الاصطدام العرضي.

الاصطدام بشفرات محركات القوارب يعد أيضًا من المخاطر التي يواجهها الدوجونج في رحلته البحرية، بحسب مصطفى بخيت مرشد الغوص، الذي يلفت إلى إمكانية تعرضه لهذه الحوادث أثناء صعوده إلى سطح الماء للتنفس.

مضيفًا: هذا الاصطدام يخلّف آثار ندبات وجروح على جلد الدوجونج، لذا بدأت المحميات بتحديد مناطق السباحة والمشاهدة، بحيث تقع على مسافة آمنة تحد من خطر الاصطدام.

تحظى الحالة العالمية للدوجونج بتباين إقليمي كبير، حسبما يوضح التقرير، حيث توجد تجمعات مستقرة نسبيًا في أستراليا والخليج العربي، ولكنها مهددة بالانقراض بدرجة حرجة أو منقرضة في شرق إفريقيا وشرق آسيا والعديد من الأقاليم الجزرية البعيدة. 

لقطة لحيوان الدوجونج  في سي وررلد أبو ظبي – الموقع الرسمي لـ”سي وررلد” 

ثاني أكبر تجمع في العالم  

يقع الموئل الأساسي لأبقار البحر في الخليج العربي بين الإمارات والبحرين وقطر، وتشير الأدلة المتاحة في تقرير الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة إلى أن الخليج العربي يدعم تجمعًا مستقرًا من أبقار البحر يقدّر بحوالي 5,000 حيوان، يتواجد حوالي 3,000 منها في الإمارات، كثاني أكبر تجمع في العالم بعد الساحل الأسترالي.

بحسب موقع هيئة “سي ورلد” في الإمارات يرجح تسمية الدوجونج بعروس البحر إلي الاعتقاد بأن البحارة قد يكونون رأوا وجوه أبقار البحر المبتسمة الشبيهة بوجه الإنسان تبرز فوق سطح الماء للتنفس من بعيد، ورؤوسها تستدير وذيولها المقسومة إلى نصفين وهي تغوص عائدة إلى الأعماق.

وربما اعتقدوا أن ما رأوه هو حوريات البحر المسحورة التي قرأوا عنها في القصص والواقع أن كلمة بقرة البحر بالإنجليزية: “dugong” مشتقة من كلمة في لغة الملايو تعني “سيدة البحر”.

تقول جورجيا إليزابيث كوكس أخصائي أول علوم الحيوانات بمركز ياس سي ورلد للبحوث والإنقاذ بأبو ظبي، في تقريرها عن حالة الدوجونج بالخليج العربي، “لا تعتبر أبقار البحر مهددة بالانقراض في الإمارات وفي أستراليا، وذلك بفضل الموقف الحكومي في كلا البلدين، ومع ذلك، فإن هذه الكائنات البحرية تبقى عرضة للانقراض وتحتاج لجهود الحماية بشكل فاعل”.

وتقول جورجيا ” لا يوجد أعداء طبيعيين للدوجونج سوى الكائنات البحرية الأكبر حجما مثل حيتان الأوركا والقروش و تماسيح المياه المالحة، إلا أن خطر الانقراض ناتج بالأساس عن الأنشطة البشرية المتمثلة في المنشآت الصناعية والزراعية والبنية التحتية الساحلية وغيرها.

مما يحد من جودة المياه ويؤثر سلبًا على موائل نمو عشب البحر، كما أن التلوث يهدد حياة أبقار البحر التي يعرف عنها التهام المواد البلاستيكية خطأً معتقدة بأنها عشب البحر.

كما تواصل بعض الشعوب ممارسات صيد أبقار البحر من أجل لحومها وجلدها وعظمها وزيتها وأسنانها، حتى أن نوعًا آخر من نفس عائلة أبقار البحر – ويطلق عليها اسم بقرة بحر ستيلر تعرض للانقراض بسبب الصيد.

صغير دوجونج تم إنقاذه من البرية ويرعي حاليا بسي وررلد  أطلق عليه اسم ملقوط – الموقع الرسمي لـ”سي وررلد” 

حالة دوجونج بالبحر الأحمر

من جانبه، يرصد الدكتور أحمد شوقي، الباحث في الأحياء البحرية بوزارة البيئة المصرية وأحد المساهمين في التقرير الدولي “تقييم عالمي لحالة الأطوم (الدوجونج) واحتياجات الحماية»، تقديرات أعداد الأطوم في البحر الأحمر المصري بما يتراوح بين 73 و97 حيوانًا. وتستند هذه التقديرات إلى استبيانات مقابلات مع صيادين محليين، وإلى توثيق بصري لمناطق الرعي ومسارات التغذية المرتبطة بموائل الحشائش البحرية.

يشير التقرير إلى أن شوقي وزملاءه (2024) طبقوا 207 استبيانات قياسية ضمن أدوات مذكرة تفاهم الأطوم التابعة لاتفاقية الأنواع المهاجرة (CMS) لرصد الصيد العرضي، وذلك عبر مقابلات مع صيادين وأطراف محلية في 20 موقعا داخل سبع مناطق على ساحل البحر الأحمر وجنوب سيناء، شملت: محمية علبة، ومرسى علم، ومحمية الجزر الشمالية قرب الغردقة، والقصير، ،رأس بناس، وجنوب سيناء، ومنتزه وادي الجمال الوطني. 

ووفق النتائج التي أوردها التقرير، قال 66% من الصيادين إن الأطوم لا تصاد في قراهم، بينما أشار أكثر من 25% إلى وقوع الصيد في قرى أخرى. وفي مؤشرات الاتجاهات والتوقعات، أفاد 4% فقط بأن الأعداد تتناقص، في حين اعتبر أكثر من 79% من المستجيبين أن هذا النوع قد يواجه خطر الاختفاء مستقبلا.

يعتبر مصطفي بخيت نفسه مسئولاً عن حماية بقرة البحر المعروفة محليًا باسم عروس البحر أيضًا، لأهميتها البيئية كدليل على صحة النظام الإيكولوجي، ولأنها تشكّل مصدر رزق كبير للسياحة البيئية، حيث يأتي السائحين خصيصًا للسباحة والغطس مع أبقار البحر والسلاحف البحرية.

ويشير إلى أنه يلفت انتباه السائحين إلى مشهد ممتع، إذا صادفوا قطيعًا من أبقار البحر ترعى بالقرب منهم، مشيرًا إلى المنافسة الطبيعية بين الدوجونج والسلاحف البحرية على الأعشاب البحرية، حيث يفضل كلاهما نفس الغذاء. وغالبًا ما تحدث تصادمات بينهما، ويكون من المدهش رؤية الدوجونج يطرد السلحفاة أحيانًا بضرب ذيله أثناء اللعب.

شارك:

Picture of محمد عوض

محمد عوض

One Response

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

logo-oxary
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et dolore