اعتادت الكثير من المدن والقرى الواقعة غرب وجنوب غرب إيران، على عتمة خانقة، يفرضها غطاء كثير من الغبار الذي يحجب ضوء الشمس، والناتج عن عواصف ترابية متكررة، تنبعث من الصحارى الجافة والمسطحات المائية المندثرة مثل بحيرة الثرثار في العراق، وهو ما تسبب في انخفاض مدى الرؤية إلى أمتار قليلة، وفرض واقعا يوميا أليما، يهدد حياة الملايين بأمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية، اليوم، باتت ما لا يقل عن 23 محافظة -من خوزستان وإيلام إلى كرمانشاه- تعاني من هذه الأزمة البيئية المتصاعدة.
الأرقام تكشف حجم الكارثة؛ فقد أظهرت دراسة صادرة عن جامعة طهران أن سكان غرب إيران قضوا ما بين عامي 2000 و2016 نحو 309 أيام تحت سماء محمّلة بالغبار، حيث لا تتعلق هذه المؤشرات بالصحة العامة وحدها، بل تنذر بتداعيات أوسع تطال الاقتصاد والبيئة، وتؤكد أن الاستسلام أمام هذا الخطر لم يعد خيارا.
من هذا الواقع، في 2018 اتفقت كل من إيران، سوريا والعراق الخطة الشاملة لمكافحة العواصف الترابية تحت إشراف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، كخطوة لإعادة الصفاء إلى السماء والحياة إلى الأرض. المبادرة ليست مجرد تحرك بيئي، بل منصة تعاون بين إيران والعراق لمواجهة التحدي المشترك، ورسالة بأن الطريق إلى مستقبل يتنفس فيه الناس بحرية يبدأ بتحويل المسؤولية إلى عمل جماعي منظم.
وهم إخضاع الطبيعة
يقول الدكتور سروش طالبي، الناشط البيئي، إن جفاف الأهوار والبحيرات، وفي مقدمتها بحيرة الثرثار في العراق، يلعب دورا محوريا في تفاقم أزمة العواصف الغبارية؛ فهذه المسطحات المائية لطالما ارتبطت بظواهر مناخية عدة، مثل الفيضانات وفائض الأنهار، التي كان ينظر لها قديما بوصفها نموذج لعجز الإنسان أمام قوة الطبيعة، بعدما كانت المياه تغمر الأراضي وتدمر البيوت مخلفة خسائر كبيرة.
وفي مواجهة هذه الظواهر، اتجهت الحكومات مؤخراً إلى محاولة إدارة المياه والسيطرة عليها، بهدف تحسين الاستفادة منها ومنع ما اعتبر هدرا للبحيرات والأهوار؛ لذلك، أُنشئت السدود على نهري دجلة والفرات لتوفير المياه للزراعة وغيرها من الاستخدامات، لكن الإفراط في التحكم بالمصادر المائية، مع تأثير تغير المناخ والجفاف المستمر منذ سنوات، أدى إلى تراجع كبير في تدفق المياه نحو الخزانات الطبيعية مثل بحيرة الثرثار، حتى جفت مساحاتها وتحولت قيعانها إلى مصادر للغبار والرمال.
ويشدد طالبي على أن الأزمة الحالية تعكس وهما طالما آمن به الإنسان، وهو القدرة على إخضاع الطبيعة بالكامل، غير أن الطبيعة ردت بعواصف الغبار لتذكر الجميع باستحالة تحقيق هذا المسعى، والحل -برأيه- يكمن في إعادة النظر في سياسات إدارة المياه، وتعزيز التعاون الإقليمي بين الدول المجاورة لإحياء هذه النظم البيئية الحيوية.
تشير التقارير إلى أن الوضع المتأزم لم يعد مقتصرا على إيران وحدها، بل امتد ليحول الشرق الأوسط، قلب المناطق الصحراوية في العالم، إلى ثاني أكبر بؤرة غبار على وجه الأرض، ومع مرور الأعوام، تزداد حدة العواصف الغبارية التي تلقي بظلالها الثقيلة على سماء المنطقة، ورغم ظهور محاولات مبشرة في تسعينيات القرن الماضي للحد من هذه الظاهرة، إلا أن العقد الأخير شهد تصاعدا في تواترها وشدتها دون أي مؤشرات على التراجع.
الشرق الأوسط في قبضة الغبار
طبقا للدراسة فإن غياب الغطاء النباتي وشح الموارد دفعا حياة الناس في كثير من بلدان المنطقة إلى معترك أزمة متواصلة، وفي قلب هذه الأزمة يقبع الجفاف الواسع لمصادر المياه -ومنها أجزاء من بحيرة الثرثار- الأمر الذي رفع مستويات الغبار بشكل غير مسبوق، كما أن الانخفاض الحاد في منسوب المياه، سواء بفعل تغير المناخ أو سوء إدارة المياه، كان عاملا رئيسيا في تضاعف العواصف الغبارية بغرب إيران.
اليوم، تبدو إعادة النظر في إدارة الموارد المائية، وإعطاء الأولوية لإحياء الغطاء النباتي، أمرا حتميا لإعادة الحياة إلى المنطقة وإنقاذ سكانها من أسر الغبار المستمر.
ثلاث محركات رئيسية للأزمة
يُحدّد الدكتور علي درويشي، أستاذ الاستشعار عن بعد في كلية الجغرافيا بجامعة طهران، ثلاثة عوامل أساسية تقف وراء تفاقم أزمة العواصف الغبارية، يأتي على رأسها التغيّر المناخي، وبخاصة موجات الجفاف الطويلة التي تضرب المنطقة، حيث يقول درويشي إن “الفترات الممتدة من الجفاف أعادت تنشيط مناطق إنتاج الغبار، لا سيما في بلدان مثل العراق وسوريا”.
ويضيف بقوله أن ثاني هذه العوامل، هو الأنشطة البشرية، وعلى رأسها سوء إدارة المياه والتوسع الزراعي غير المستدام في العراق، إضافة إلى التوسع الزراعي المفرط وبناء السدود الكثيرة في دول المنبع، مما أضرت بالموارد المائية وخلفت تداعيات بيئية واسعة، ورغم ذلك، يشير درويشي إلى أن تركيا لا تزال في وضع أكثر استقرارا نسبيا مقارنة بسوريا والعراق.
أما ثالث هذه العوامل فيتمثل في النمو السكاني في العراق والدول الواقعة ضمن أحواض الأنهار؛ حيث أدى الضغط على الموارد الطبيعية إلى تدهور الأراضي الزراعية وزيادة حدة العواصف الغبارية.
ويؤكد درويشي أن جفاف المسطحات المائية وهجر الأراضي الزراعية يعدان من أسباب زيادة بؤر الغبار، مشددا على ضرورة الالتزام بإدارة رشيدة للموارد المائية وتعزيز التعاون الإقليمي لإيجاد حلول لهذه الأزمة المتصاعدة.
العراق في دوامة الجفاف
شهد العراق هذا العام أزمة مائية غير مسبوقة، حسبما ذكر المتحدث باسم وزارة الموارد المائية العراقية خالد شمال لوكالة فرانس برس، انخفضت مخزون المياه من نحو 18 مليار متر مكعب إلى 10 مليارات فقط، ما جعل الوضع أصعب بكثير مما مضى.
يقول المهندس غزوان عبد الأمير السهلاني، المدير العام لمشاريع الري في وزارة الموارد المائية العراقية، إن الوزارة تعمل على مواجهة هذه الأزمة عبر تغذية نهري دجلة والفرات بمياه من خزان بحيرة الثرثار، مضيفا أن الحكومة العراقية ألغت بالكامل برامج الزراعة الصيفية، واكتفت بالحفاظ على المساحات الخضراء والبساتين.
وفي هذا السياق، يستعرض الدكتور درويشي جانبا من سوء إدارة المياه في العراق، موضحا أن البلاد تضم ثلاث بحيرات صناعية رئيسية: الرزازة ، الحبانية ، والثرثار، وقد أنشئت هذه البحيرات في الأصل للتحكم بالفيضانات، لكنها تحولت لاحقا إلى مصادر لتوفير المياه للزراعة والشرب، غير أن تغير المناخ وسوء الإدارة في السنوات الأخيرة جعلا هذه البحيرات نفسها تتحول إلى منابع غبار، وخاصة بحيرة الثرثار التي تعد اليوم من أكبر البؤر الغبارية في العراق.
ويشير إلى أن سوء إدارة المياه في العراق يرتكز على ثلاث مشكلات أساسية، هي فقدان كميات ضخمة من المياه عبر قنوات الري والصرف الواسعة، وارتفاع معدلات التبخر من أسطح البحيرات الصناعية، وضعف كفاءة استخدام المياه في الزراعة، لافتا إلى أنه مع مناخ المنطقة الجاف ودرجات الحرارة المرتفعة، أدت هذه العوامل إلى جفاف مساحات واسعة من تلك الخزانات المائية وتحويلها إلى مصادر للعواصف الترابية.
ويضيف درويشي أن بناء السدود بكثافة في دول الحوض كافة ساهم في تقليص تدفق المياه إلى الأهوار وتجفيفها، ما زاد من تفاقم بؤر الغبار في جنوب العراق.
الثرثار.. مرآة التغيرات البيئية
يعد الوضع في بحيرة الثرثار -أكبر منخفض طبيعي في العراق- بمثابة مؤشر صارخ على التحولات البيئية في المنطقة؛ فقد شهدت خلال العقود الثلاثة الماضية تغييرات جذرية في حجم المياه ومساحتها وحرارتها، حيث تشير دراسات أجراها باحثون عراقيون على مدى ثلاثين عاما إلى أن الفترة بين 1994 و2024 شهدت تراجعا غير مسبوق في الغطاء النباتي والموارد المائية، ما أدى إلى موجة من التدهور أخلت بتوازن النظام البيئي للبحيرة.
ورغم تسجيل بعض مؤشرات التحسن النسبي منذ عام 2014، إلا أن هذا التحسن ما يزال هشا ومعرضا للانتكاس؛ فقد انخفضت مساحة سطح المياه في البحيرة من نحو 2,280 كيلومترا مربعا عام 1994 إلى ما يقارب 1,661 كيلومترا مربعا عام 2024، نتيجة تداخل عوامل الجفاف وتغير المناخ والاستخراج المفرط للموارد، في المقابل، ارتفعت مساحة الأراضي الجرداء من حوالي 10,838 كيلومترا مربعا عام 1994 إلى أكثر من 12,298 كيلومترا مربعا في 2014، قبل أن تتراجع قليلا إلى نحو 11,665 كيلومترا مربعا بحلول 2024، وهو ما يعكس مسارا مستمرا نحو التصحر.
أما الغطاء النباتي، فقد تقلص بشكل حاد من 1,147 كيلومترا مربعا عام 1994 إلى 283 كيلومترا مربعا فقط عام 2014، لكنه تحسن بفضل جهود محدودة ليصل إلى حوالي 939 كيلومترا مربعا في 2024، غير أن هذه العودة لا تزال غير مستقرة أو كافية لإعادة التوازن.
هذه الأرقام، في مجملها، ترسم صورة قاتمة لتدهور الموارد المائية وفقدان الغطاء الأخضر وانتشار الأراضي الجرداء، مؤكدة أن التحسن الطفيف المسجل مؤخرا لا يلبي الحد الأدنى من متطلبات الاستدامة، ومن دون إدارة تكاملية طويلة المدى، يظل مستقبل هذه المنطقة تحت تهديد حقيقي.
خارطة ذكية لمواجهة العواصف
وفقًا لدراسة نُشرت في مجلة “نيتشر” عام ٢٠٢٣ حلل الباحثون مصادر الغبار في الشرق الأوسط التي تؤثر على حدوث العواصف الترابية في غرب إيران خلال الأعوام 2000–2016، مع التركيز على تأثير تقلّص المسطحات المائية على زيادة الغبار، تم تحديد 309 يومًا ترابيًّا في غرب إيران خلال الفترة المدروسة، استُخدمت فيها بيانات من محطات الأرصاد ونماذج مسار الرياح وتحليل صور الأقمار الصناعية.
وخلص الباحثون إلى أن واستنتجوا “أن شواطئ بحيرة الثرثار والجزء الشمالي الغربي منها، وهو هور العظيم، وشواطئ بحيرتي الرزازة والحبانية، وهور الحمار الغربي، من أهم مصادر الغبار المؤثرة على غرب إيران،”.
وأشارت الدراسة إلى أن “انخفاض منسوب المياه السطحية للبحيرات في العراق أدى إلى ظهور مصادر جديدة للغبار، مما ساهم في زيادة ملحوظة في نشاط الغبار في غرب إيران في السنوات الأخيرة”.
وأضحت الدراسة أن غالباً ما تكون أيام الغبار أكثر في فصل الصيف، تليها الربيع والشتاء والخريف، مما يدل على تغير موسمي في نشاط مصادر الغبار.
غير أن كل هذه الجهود تبقى محدودة إذا لم تدعم بتعاون إقليمي عابر للحدود؛ كما يقول الدكتور درويشي إن “أكثر الطرق فعالية للتعامل مع أزمة الغبار هي تعزيز التعاون بين دول المنطقة”، مضيفا أن تجربة الكويت والعراق في معالجة أحد مصادر الغبار الكبرى في منطقة البصرة جنوب العراق، عبر مشروع مشترك على طريق السماوة، تقدم نموذجا ملهما يمكن أن يبنى عليه.
ويختتم درويشي بالتأكيد على أن إيران بحاجة إلى شراكات ثنائية أو ثلاثية مع العراق والكويت، تركز على إدارة البؤر الأكثر إنتاجا للغبار في الأراضي العراقية: “عندها فقط يمكن توجيه الموارد والجهود نحو النقاط الأخطر، حيث يصنع الغبار اليوم أكبر كلفته على صحة الناس واقتصاداتهم”.















