قصف 3 مفاعلات نووية إيرانية.. إعلان ترامب يشعل المخاوف من تسرّب إشعاعي يهدد المنطقة

شارك:

في تطور بالغ الخطورة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب فجر يوم الأحد أن القوات الأميركية نفذت ضربات جوية استهدفت ثلاثة مواقع نووية إيرانية رئيسية هي: “فوردو”، و”أصفهان”، و”نطنز”، وهي منشآت نووية مرتبطة ببرنامج إيران النووي. ومع هذا الإعلان، تحوّل المشهد من مجرد تهديدات متبادلة إلى مواجهة مباشرة قد تُطلق سلسلة كارثية من التداعيات البيئية الإقليمية والدولية.

وتنذر هذه التداعيات باستهداف منشآت نووية نشطة مستقبلًا، سواء في إيران مثل بوشهر، أو من الجانب الآخر منشآت إسرائيلية مثل “ديمونة”، مما لا يفتح الباب أمام خسائر عسكرية فقط، بل يهدد بإطلاق كوارث إشعاعية عابرة للحدود، قد تطال آثارها الأجيال المقبلة قبل أن تصيب أطراف النزاع أنفسهم.

تُضاف الهجمات الأمريكية الأخيرة، إلى سلسلة من الضربات الإسرائيلية التي استهدفت منشآتٍ نووية عدّة بالأراضي الإيرانية على مدار الأيام الماضية، وهي الضربات التي تسببت في حدوث تدهورٍ حاد في السلامة والأمن النوويين في إيران، بحسب الإحاطة التي تقدم بها المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي لمجلس الأمن.

وفي تصريحات خاصة لـ”أوزون”، عبّر عدد من الخبراء عن خشيتهم من أن تنزلق المنطقة نحو كارثة نووية قد ترقى في فداحتها إلى مستوى تشيرنوبيل، موضحين أن آثارها قد تتسبب في تلوث طويل الأمد، وانهيار بيئي واسع، وتهديد مباشر لصحة الإنسان والنظم الإيكولوجية على امتداد الشرق الأوسط.تأثير محدود

تأثير محدود

يفرق المختصون بين الآثار المترتبة على ضرب منشآت تخصيب اليورانيوم، التي تنطوي على خطر إشعاعي محدود نسبيًا، والمفاعلات النووية التي تحتوي على الوقود المستهلك والنواتج الانشطارية، إذ تتمثل خطورة استهداف الأخيرة في ما يمكن أن تحدثه من آثار عابرة للحدود.

في هذا السياق، أكّد الدكتور يسري أبو شادي، كبير خبراء وكالة الطاقة الذرية في مصر سابقًا، في تصريحات خاصة لـ”أوزون”، أن استهداف بعض منشآت التخصيب في إيران: “نطنز” و”أصفهان” و”فوردو”، لن تسفر عن تأثير إشعاعي كبير. وأوضح أن هذه مفاعلات تخصيب لليورانيوم، وأن ما يحدث فيها يقتصر على تسرب محدود للغاية لغاز اليورانيوم، سواء في صورته المخصبة أو الطبيعية غير المشعة.

وأوضح أبو شادي في تصريحاته أن غاز اليورانيوم، في صورته الصناعية المعروفة بسادس فلوريد اليورانيوم (UF₆)، يتمتع بتأثير إشعاعي محدود للغاية.

 وأضاف أبو شادي أن التعامل مع هذا الغاز ممكن بحذر دون مخاطر جسيمة، مشيرًا إلى أن الخطر الأكبر قد يكمن في غاز الفلورين المستخدم في تركيبة هذا المركب، نظرًا لآثاره الكيميائية المحتملة، وإن كانت تظل محصورة في نطاق ضيق جدًا.

في هذا السياق، قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافايل ماريانو غروسي، خلال جلسة طارئة للوكالة في 16 حزيران/يونيو الجاري؛ حيث كشف عن حدوث تلوث كيميائي وإشعاعي داخلي في منشأة نطنز عقب الضربة الإسرائيلية، رغم أن مستويات الإشعاع خارج الموقع لا تزال ضمن الحدود الطبيعية. 

وشدَّد غروسي على أنه لا يمكن السيطرة على مثل هذه الحوادث إلا من خلال إجراءات حماية صارمة، محذرًا من أن التصعيد العسكري قد يؤدي إلى تسرب إشعاعي يتبعه تداعيات جسيمة على السكان والبيئة، ويحدّ من الجهود الدبلوماسية الرامية إلى الحيلولة دون امتلاك إيران لسلاح نووي.

يُشار إلى أن تسرب غاز اليورانيوم قد يُشكّل خطرًا مباشرًا في النطاق الجغرافي القريب من موقع المفاعل، حيث تُتركز آثاره عادة ضمن دائرة قطرها يقارب 10 كيلومترات مربعة. 

وقد أظهرت حادثة “توكاي-مورا” في اليابان عام 1999، التي وقعت في منشأة لتخصيب اليورانيوم، حجم هذا الخطر بوضوح؛ إذ سارعت السلطات اليابانية آنذاك إلى إخلاء منطقة بقطر 350 مترًا فورًا، وأوصت أكثر من 300 ألف شخص ضمن دائرة قطرها 10 كيلومترات بالبقاء داخل منازلهم، تحسّبًا لاحتمال انتشار التلوث الإشعاعي.

الخطر في بوشهر 

وحول أكثر السيناريوهات النووية كارثية، أشار الدكتور أبو شادي إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في استهداف مفاعل بوشهر الواقع على الخليج، والذي يعمل منذ نحو 13 عامًا بقدرة تشغيلية تصل إلى 1000 ميغاواط. وأوضح أن قلب هذا المفاعل يحتوي على وقود نووي عالي الإشعاع، إلى جانب مخزون من الوقود المستهلك شديد الخطورة، ما يجعله هدفًا بالغ الحساسية.

وأكد أن أي ضربة عسكرية تستهدف هذا المفاعل قد تؤدي إلى تسرب إشعاعي واسع النطاق، شبيه بما حدث في كارثتي تشيرنوبل وفوكوشيما، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات تتجاوز حدود إيران لتطال دول الخليج بالأساس.

ورغم ذلك، استبعد أبو شادي أن تُقدم إسرائيل على قصف مفاعل بوشهر، نظرًا لكونه غير مرتبط بالبرنامج النووي العسكري الإيراني، وبالتالي لا يُمثّل تهديدًا مباشرًا من وجهة نظر تل أبيب.

ولفت الخبير النووي إلى أن الأضرار البيئية الأوسع الناجمة عن العمليات العسكرية الإسرائيلية قد تكون مرتبطة باستهداف منشآت نفطية، كآبار ومصافي النفط، مما يؤدى إلى اندلاع حرائق ضخمة ينتج عنها كميات كبيرة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مما يفاقم من أزمة التلوث الكربوني في المنطقة. 

وأشار إلى أن هذه التأثيرات لا تزال حتى الآن ضمن الحدود المقبولة، لكنها قد تتطور إلى أزمة بيئية خطيرة إذا استمرت الهجمات على البنية التحتية الحيوية في إيران.

 البيئة والمناخ في عين العاصفة

في سياق متصل، أكد الدكتور تحسين شعلة، خبير البيئة والمناخ، أن أي حادث تسرب كبير مثل ديمونة أو بوشهر يؤدي بالضرورة إلى تسرب مواد إشعاعية خطيرة إلى الغلاف الجوي، ما ينتج عنه انبعاث غازات سامة تشكل طبقة عازلة تحيط بالغلاف الجوي وتساهم في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري.

في السياق ذاته، حذّر الدكتور شعلة من خطر انتقال التلوث الإشعاعي عبر السلسلة الغذائية، موضحًا أن النباتات التي تمتص نظائر مشعة من التربة قد تنقلها إلى الحيوانات، مما يؤدي إلى تراكمها في اللحوم ومنتجات الألبان. وأكد أن استهلاك الإنسان لهذه المنتجات قد يسبب أمراضًا مزمنة وإصابات سرطانية نتيجة التراكم الحيوي للمواد المشعة في الجسم.

ويرجّح الخبراء أن الأراضي الزراعية المتأثرة بهذه الملوثات في نطاق 30 كم قد تصبح غير قابلة للزراعة لفترات طويلة، تختلف بحسب نوع النظائر المشعة ومستوى التلوث وفعالية التدخلات الاستصلاحية، وقد تتجاوز في بعض الحالات 15 عامًا. 

ويمكن الاستشهاد في هذا السياق بكارثة تشيرنوبيل عام 1986؛ حيث امتد نطاق المراقبة إلى ما يزيد عن 300 كيلومتر من موقع الكارثة، تبعًا لاتجاه الرياح وشدة التلوث، وشملت إجراءات سحب كميات كبيرة من المنتجات الغذائية من الأسواق لحماية الصحة العامة.

تأثيرات الإشعاع

في السياق ذاته، حذّر الدكتور أيمن أبو غزال، الخبير الأردني في الإشعاع النووي، من العواقب البيئية والصحية “الكارثية” التي قد تترتب على استهداف المفاعلات النووية في ظل التوترات العسكرية المتصاعدة بين إيران وإسرائيل.

وفي تصريح خاص لـ”أوزون”، أكد أن أي قصف مباشر لمنشأة نووية أو تسرب إشعاعي ناتج عن إصابتها يُعد تجاوزًا خطيرًا للمسارات السياسية والعسكرية، ويندرج ضمن تهديد مباشر للحياة على كوكب الأرض.

وأوضح أن المواد المشعة، مثل السيزيوم-137، إذا تسربت إلى الهواء، تنتشر بسرعة وتلوث التربة والمياه، ويصعب احتواؤها. وقال: “تصبح المنشأة في هذه الحالة مصدرًا مفتوحًا للتلوث، وتحمل الرياح الجسيمات المشعة إلى مسافات قد تتجاوز مئات الكيلومترات، مخترقة الحدود الدولية، ما يحوّل الأزمة من حادث محلي إلى كارثة إقليمية ذات تبعات عابرة للدول”.

وأشار أبو غزال إلى أن الجسيمات المشعة، مثل اليود-131 والسيزيوم-137، تلوّث الهواء وتستقر في أجسام البشر والحيوانات، مسببة أمراضًا خطيرة أبرزها سرطانات الغدة الدرقية وتلف الجهاز المناعي. وأضاف: “حين تستقر هذه الجسيمات على الأرض، فإنها تتسلل إلى التربة والنبات والمياه الجوفية، لتدخل لاحقًا في السلسلة الغذائية، وتُخلّف آثارًا تستمر لعقود، كما حدث في كارثة تشيرنوبيل عام 1986”.

أي الدول المتضررة؟

لا تتوقف تداعيات الحوادث النووية عند حدود الجغرافيا أو السياسة، بل تمتد آثارها لتطال أوسع من ذلك بكثير، مهددة توازنات البيئة، وأمن السكان، واستقرار الدول. ففي حال تعرض مفاعل ديمونة الإسرائيلي أو بوشهر الإيراني لهجوم مباشر أو تسرب إشعاعي واسع النطاق، فإن الكارثة سرعان ما ستتجاوز نطاق الدولة المستهدفة، لتتحول إلى أزمة إقليمية عابرة للحدود.

بفعل حركة الرياح والتيارات الجوية السائدة، ستكون دول الجوار أول المتأثرين. إذ يُتوقع أن تطال التداعيات المباشرة مفاعل ديمونة كلًا من الأردن ولبنان وسوريا ومصر، بينما قد تتعرض دول الخليج العربي، بما في ذلك قطر، الإمارات، البحرين، الكويت، وشرق السعودية، إضافة إلى العراق، لأخطار جسيمة في حال استُهدف مفاعل بوشهر، نظرًا لقربه الجغرافي من سواحل الخليج.

ولا يقتصر الخطر على التلوث الهوائي فحسب، بل يمتد إلى مياه الخليج العربي، التي تمثل شريانًا استراتيجيًا تعتمد عليه دول الخليج في تحلية مياه البحر لتأمين حاجتها الأساسية من مياه الشرب. وأي تلوث إشعاعي يُصيب هذه المسطحات المائية قد يؤدي إلى تعطيل محطات التحلية أو تلوث إنتاجها، مما يهدد الأمن المائي لملايين السكان، ويضاعف من حجم الكارثة.

هكذا، يتحول أي تسرب نووي في قلب الشرق الأوسط إلى أزمة متعدّدة الأوجه: بيئية، صحية، واقتصادية، وربما إنسانية طويلة الأمد، تستدعي استعدادًا إقليميًا مشتركًا يتجاوز الحسابات العسكرية، وينطلق من مبدأ حماية الحياة أولًا.

شارك:

Picture of فريق أوزون

فريق أوزون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

logo-oxary
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et dolore