في زمن تتسارع فيه التغيرات المناخية وتتزايد الحاجة إلى حلول بيئية مستدامة، لم تعد الحركة الكشفية مجرد أنشطة تقليدية في أحضان الطبيعة، بل تحولت إلى ميدان تجريب حيّ يعيد ابتكار العلاقة بين الإنسان والبيئة. فالكشافون اليوم لا يحملون فقط بوصلة للتنقل في البراري، بل ثمة رؤية باتت تتشكل حاليًا لمستقبل أكثر خضرة؛ حيث تلعب الطاقة المتجددة دور بارز فيه.
وسط هذه التحولات، تتقدم الطاقة الشمسية لتأخذ مكانها الطبيعي في المخيمات الكشفية، بديلاً نظيفًا ومبتكرًا عن مصادر الطاقة الملوثة. فلم تغدو مجرد تقنية، بل أسلوب حياة يُرسخ قيم الاعتماد على الذات، والاستفادة الذكية من الموارد المحيطة، وتربية أجيال أكثر وعيًا بكوكب يئنّ تحت وطأة الاستهلاك المفرط.
في هذا التقرير نتسائل؛ هل يمكن أن تتحول نار السمر إلى شعلة رمزية بلا دخان؟ وهل يستطيع مصباح شمسي صغير أن يُضيء طريقًا نحو وعي بيئي أوسع؟ هذا ما تحاول الإجابة عنه تجربة الكشافة والطاقة الشمسية، حيث يجتمع التخييم، والتعليم، والابتكار، في مشروع واحد: مخيم نظيف.. وكشاف صديق للبيئة.
مصابيح شمسية وكشافون مبتكرون
في سلطنة عمان، بدأت الكشافة الشيماء مرهون عامر مشروعًا شخصيًا لتطوير مصباح يدوي يثبت على الرأس ويعمل عبر بطارية تخزن الطاقة المنتجة من لوح شمسي صغير بحجم إصبعين.
استوحت فكرتها من احتياجات واقعية خلال المخيمات الصيفية والشتوية التي تشارك فيها سنويًا، حيث لا تكفي أعمدة الإنارة الخارجية لإضاءة الخيام من الداخل، ولا يُسمح بتركيب مصابيح داخلية.
تقول الشيماء: “تعلمت خلال تدريب استخدامات الطاقة الشمسية كيف أصنع مصباحًا صغيرًا من مكونات بسيطة، ورسمت له إطارًا من الورق المقوى، وأعدت تصميمه بمكونات مختلفة بعد عودتي إلى مدينتي في سلطنة عمان”.
وتضيف: “الآن أفضل أن أصنع مصباحي الخاص، وأخزن الطاقة الشمسية لاستخدامها عند الحاجة، ويمكنني أيضًا تدريب الفتيات في فرق الكشافة على صنع مصابيح مشابهة”.
هذه المبادرات الفردية تنسجم مع توجه عالمي أوسع ضمن مبادرة “قبيلة الأرض” التي أطلقتها المنظمة الكشفية العالمية، وتهدف إلى دمج الكشافة في مشاريع بيئية مرتبطة بأهداف التنمية المستدامة.
يتضمن البرنامج ثلاثة تحديات رئيسية: أبطال من أجل الطبيعة، والحدّ من النفايات البلاستيكية في البحار والمحيطات، واستخدام الطاقة الشمسية ضمن الأنشطة الكشفية. في هذا الإطار، شارك قادة كشفيون من سبع دول عربية في تدريب متخصص حول كيفية تنفيذ أنشطة قائمة على الطاقة الشمسية، ليصبحوا فيما بعد سفراء لبرامج “شارات الطاقة الشمسية”، ويقودوا تدريبات مماثلة في بلدانهم.
بحسب تقرير المنتدى العربي للبيئة والتنمية لعام 2023، تستقبل الدول العربية بين 22 و26 في المئة من أشعة الشمس سنويًا، وهو ما يجعلها بيئة مثالية للاستثمار في الطاقة الشمسية. الإمارات ومصر والمغرب والأردن والسعودية تتصدر الدول العربية في إنتاج هذه الطاقة، وهو ما يعزز فرص دمجها في الأنشطة الكشفية بشكل واسع وفعال.

نار رمزية
يقول هاني عبد المنعم، الأمين العام للإقليم الكشفي العربي، إن أحد أكثر التقاليد المحببة لدى الكشافة هو التجمع حول نيران السمر ليلًا، لكنه يعبّر عن قلقه من الأثر البيئي لهذه النيران، لا سيما ما تسببه من انبعاثات كربونية نتيجة استخدام الحطب المأخوذ من الغابات.
يقترح عبد المنعم حلولًا بديلة: “ثمة أفكار لم تبدأ بعد لكنها قابلة للتطبيق، مثل إقامة نار كشفية رمزية تستخدم الأقمشة الملونة بالأحمر والأصفر، مع إضاءة بسيطة ومروحة تعمل بطاقة شمسية مخزنة في بطارية”.
ويضيف: “هذه النار الافتراضية يمكن أن تمنح التأثير المعنوي ذاته، مع ضرر أقل على البيئة. يمكننا أيضًا تقنين استخدام النيران الحقيقية في أنشطة أكثر نفعاً مثل الطهي فقط”.
ويرى عبد المنعم أن التقنيات المتاحة اليوم تجعل من الممكن إقامة مخيم صغير يعتمد كليًا على الطاقة الشمسية، باستخدام وحدات إنارة، وبطاريات لتخزين الطاقة، وأدوات لشحن الهواتف، بل وحتى أدوات طبخ خفيفة، وكل ذلك بتكلفة معقولة نسبيًا. ويقترح البدء بتجربة على نطاق صغير بمشاركة عدد محدود من الكشافة، ثم التوسع تدريجياً.
الرؤية ذاتها تشاركها أميمة بلفقيه، عضوة بفريق Solafrica وناشطة في الكشافة المغربية، التي ترى أن الاعتماد على الطاقة الشمسية في المخيمات الكشفية أمر ممكن إذا ما اقتصر العدد على مجموعة محدودة ولم يكن هناك حاجة لإضاءة شاملة.
وتقترح التوجه نحو دعم تمويلي من مؤسسات تقدم منحًا لألواح الطاقة الشمسية، أو تأمين ألواح صغيرة الحجم مع وحدات تخزين طاقة بسعر رمزي. وتضيف أن الكشافة لا تعتمد فقط على التكلفة بل على الابتكار، مشيرة إلى أن القادة الكشفيين الذين تلقوا تدريبًا من Solafrica تعلموا صناعة أجهزة إنارة، ومراوح، بل وحتى ألعاب ترفيهية تعمل بالطاقة الشمسية.
تقول: “خلال أيام التدريب لا نفكر في التكلفة، بل في الإبداع. هدفنا تنفيذ فكرة قابلة للتطبيق بأبسط الأدوات، وهو جوهر الكشفية في الاعتماد على النشاط اليدوي وحياة الطبيعة”.
قبل خمس سنوات، شاركت أميمة في تنظيم فعالية لتدريب سكان منطقة شفشاون المغربية على صنع أفران شمسية للطهي دون الحاجة إلى استخدام الحطب، ما يبرز الدور المجتمعي للحركة الكشفية في تعميم حلول الطاقة النظيفة على المجتمعات المحلية.

كشافون جدد أكثر وعيًا بقضايا البيئة
من جهته، يرى كريم مشرقي، قائد كشفي يشغل منصب مدير قسم التربية والأثر الكشفي بالإقليم الكشفي العربي، أن الشباب باتوا يربطون الطاقة الشمسية بتكلفتها، وهو تصور يريد تغييره من خلال برامج الكشافة التي تركز على الاستفادة من أدوات بسيطة ونقل معلومات تقنية قابلة للتطبيق اليومي.
يقول مشرقي: “هناك 57 مليون شخص حول العالم منخرطون في الحركة الكشفية، ولو اهتم نصفهم فقط باستخدامات الطاقة الشمسية، فإن الأثر سيكون واسع النطاق. الكشافة قوة اجتماعية بإمكانها التأثير في دوائرها المباشرة ونقل المعرفة البيئية”.
ويضيف أن التدريب الذي يديره حول الطاقة الشمسية تضمن ورشًا عملية ومعلومات علمية لا يتعرض لها الكشافة عادةً، مع التركيز على أنشطة نهارية تعتمد على الشمس، وأنشطة ليلية مثل الاسترشاد بالنجوم وحركة القمر، بعيداً عن الاعتماد على الحطب والنيران.
ويختم مشرقي حديثه بالقول إن مشهد نيران السمر الذي لطالما كان رمزًا للكشافة يمكن أن يستمر، لكن بوسائل بديلة أكثر حفاظاً على البيئة. ويؤكد أن تكلفة الطاقة الشمسية لم تعد عائقاً حقيقيًا، فالكشافة أثبتوا قدرتهم على استخدام أبسط الخامات لتحقيق أفضل النتائج.
فيما تؤكد أميمة بلفقيه في ختام حديثها أن ما تقوم به مؤسسة Solafrica يرتكز على شراكة فاعلة مع المنظمة الكشفية العالمية، تقوم على تعزيز الوعي بأهمية الطاقة الشمسية، وتدريب القادة الكشفيين على المستوى الوطني، مع حثهم على تكرار التدريب مع فرقهم المحلية، ونقل المعرفة إلى الأطفال من خلال أنشطة عملية. تقول: “نحن لا نشتري المصباح، بل نصنعه، وهذه ببساطة هي الروح الحقيقية للكشافة”.
















