بينما كانت الشمس تشرق فوق مياه بحيرة ناصر جنوبي مصر، كان قارب صغير يشق طريقه في وسط مياه النيل، حاملاً فريقًا من مصوري الحياة البرية. كانت الأنظار تتجه نحو الضفاف الطينية والجزر المنخفضة، حيث شوهدت طيور نادرة على مدى العامين الماضيين في مشاهد متفرقة. لاحت في الأفق مجموعة من الطيور ذات لون داكن ولمعانٍ برونزي، تقف فوق الصخور استعدادًا للصيد؛ ثلاثة من طائر الغاق الإفريقي، أحد أندر الطيور التي عادت إلى الظهور في مصر بعد انقطاع امتد أكثر من 100 عام.
توثيق تاريخي بعد غياب قرن
تُشير السجلات التاريخية لموقع Aswan Birdwatching إلى أن طائر الغاق الإفريقي (Microcarbo africanus) كان متواجدًا في مصر حتى عام 1903، قبل أن يختفي تمامًا من المشهد الطبيعي. هذا الطائر المعروف أيضًا باسم “غاق القصب” يعيش بشكل رئيسي في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ويعتمد على المسطحات المائية الهادئة والأراضي الرطبة لتكاثره. وقد أدى اختفاؤه من مصر مطلع القرن الماضي إلى اعتباره خارج نطاق التوزيع الطبيعي للمنطقة.
ومنذ ذلك التاريخ لم يُرصد الطائر مجددًا، حتى ظهر في عام 2024 في بحيرة ناصر، ما أثار دهشة الأوساط العلمية والبيئية. ولم يأتِ عام 2025 إلا وقد سجل الباحثون والمصورون المصريون أول تكاثر ناجح للطائر منذ أكثر من مئة عام، ما يؤكد عودته الرسمية إلى الأراضي المصرية.
بدأت قصة العودة في مارس 2024، حين تمكن مصور الحياة البرية البريطاني توماس تشينيك من التقاط مجموعة من الصور لسربٍ يضم ما لا يقل عن عشرين فردًا من الغاق الإفريقي في إحدى مناطق بحيرة ناصر الجنوبية. كانت تلك الصور بمثابة الحدث الفاصل الذي أعاد الطائر إلى السجلات المصرية بعد غياب امتد لنحو 121 عامًا. ومع نهاية العام ذاته، وتحديدًا في ديسمبر 2024، سجل إسماعيل خليفة، مؤسس موقع Aswan Birdwatching، ظهور طائر وحيد أثناء طيرانه فوق سماء مدينة أبو سمبل بمحافظة أسوان جنوب مصر.
ومع بداية عام 2025، واصل مراقبو الطيور المصريون جهودهم لتتبع الغاق في مواقع مختلفة حول بحيرة ناصر. ففي 19 يناير 2025، تمكن فريق من عشرة مراقبين بقيادة هيثم إبراهيم وعمرو عبد الهادي من توثيق ظهوره مرة أخرى في نطاق مدينة أبو سمبل. وبعد ثلاثة أشهر فقط، وتحديدًا في 27 إبريل، رُصد فرد من الطائر في منطقة صحاري جنوب خزان أسوان بواسطة مراقب الطيور الهولندي الذي يزور أسوان سنويًا، في أول تسجيل له داخل نطاق المدينة نفسها.
إلا أن الحدث الأبرز جاء في 23 أغسطس 2025، عندما نجح فريق مصري يضم محمود الشامي، إسماعيل خليفة، أحمد داود، ونهى محي في توثيق تكاثر ناجح للطائر على إحدى الجزر داخل بحيرة ناصر. كان ذلك بمثابة الحسم النهائي لجدلٍ علمي طويل حول إمكانية إعادة استيطانه في مصر. لم يتوقف الرصد عند هذا الحد؛ ففي 27 أغسطس من العام ذاته، رصد خليفة ومراقب كندي فردين إضافيين للطائر داخل نهر النيل في مدينة أسوان، ثم في 31 أغسطس، شاهد فريق من المصورين المصريين، من بينهم أحمد سالم رجب وهيثم فهمي وزينب سعدي، ثلاثة أفراد أخرى خلال جولة نيلية لتتبع الطيور. هذه المشاهدات المتتابعة رسمت ملامح عودة مؤكدة لهذا النوع النادر في أقصى جنوب البلاد.
سر عودة طيور إفريقيا
يقول المصور أحمد سالم رجب لـ”أوزون”: “الغاق الإفريقي ليس طائرًا مهاجرًا بعيد المدى، بل مقيم واسع الانتشار في إفريقيا جنوب الصحراء، لذا فإن اختفاءه عن مصر طوال تلك السنوات لا يرتبط بتغيرات في خطوط الهجرة، بقدر ما يعكس فقدان موائل ملائمة في الماضي”. ويضيف أن عودته الأخيرة تبدو مرتبطة بشكل مباشر بتوافر البيئة المناسبة في بحيرة ناصر، حيث المسطحات المائية الواسعة وأحزمة القصب الكثيفة ومصادر الغذاء الوفيرة.
ويشير رجب إلى أن التغير المناخي ساهم في إعادة تشكيل أنماط انتشار الطيور عالميًا، وأن مصر تشهد في السنوات الأخيرة تبدلًا واضحًا في توقيتات الهجرة واستخدام مناطق الاستراحة بين الدلتا ووادي النيل. ويرى أن الاحترار المناخي، رغم مخاطره، قد يكون أحد العوامل المساعدة في اتساع نطاق الغاق شمالًا إلى بيئات أكثر دفئًا وصلاحيةً للتفريخ.

عودة ثلاثية نادرة: بحير ناصر تستقبل الغاق والنساج والشمعي
يشير مراقب الطيور إسماعيل خليفة إلى أن توثيق الغاق الإفريقي لم يكن الحدث الوحيد في بحيرة ناصر خلال هذا العام، إذ تزامنت عودته مع ظهور نوعين آخرين يُعدان من أجمل وأندر طيور إفريقيا جنوب الصحراء.
الطائر الأول هو نساج القرية (Village Weaver)، المعروف أيضًا باسم “الحبّاك”. يتميز الذكر في موسم التزاوج بلون أصفر ساطع ورأس وحلق أسودين، في حين تتزين الأنثى بألوان باهتة تساعدها على التمويه. يعيش هذا الطائر في مجموعات قرب القرى والمزارع، ويشتهر ببناء أعشاش كروية متقنة من الأعشاب وأوراق النخيل، يقوم الذكر بصناعتها بدقة مدهشة.
وفي أغسطس 2024، تمكنت بعثة علمية ألمانية من توثيق أعشاشٍ دون رصد الطائر نفسه في بحيرة ناصر، قبل أن يتمكن فريق مصري لاحقًا في يناير 2025 من تسجيل الطائر والاعشاش معًا للمرة الأولى في مصر.
أما الطائر الثالث فهو شمعي المنقار قرمزي العجز (Crimson-Rumped Waxbill)، وهو طائر صغير دقيق المظهر ينتشر في شرق إفريقيا والقرن الإفريقي، ويُعد من الأنواع غير الشائعة في مصر. يتميز بريشه البني الزيتوني ومنقاره الأحمر الشمعي، مع منطقة قرمزية أسفل الذيل.
وسُجلت مشاهدات سابقة له عام 2022 في أبو سمبل دون توثيق مرئي، حتى 24 مايو 2025 حيث تمكن فريق نمساوي بصحبة إسماعيل خليفة من رصده وتصويره بالفيديو وهو يسبح في بركة مياه فرارًا من حرارة الصيف، مسجلين بذلك أول توثيق مصري فعلي لهذا الطائر الصغير.
يضيف إسماعيل خليفة: “رصد وتوثيق هذه الطيور الثلاثة بالتزامن مع سريان قرار حظر صيد الطيور في بحيرة ناصر يعطي قوة كبيرة للفرضية القائلة بأن السياسات الحكومية الأخيرة ساهمت في استعادة التوازن الطبيعي للموائل المحلية. فغياب الصيد الجائر والإزعاج البشري سمح للأنواع الحساسة بالبقاء والتكاثر في المنطقة”.
ويتابع: “لكن لا يمكننا أن نغفل العوامل الأخرى، مثل التغيرات المناخية أو الصراع العسكري في السودان، التي قد تدفع هذه الأنواع إلى التوسع شمالًا بحثًا عن بيئة آمنة وغذاء متاح”. هذه العوامل مجتمعة —السياسات البيئية المحلية والاتجاهات العالمية للمناخ— رسمت ظروفًا مواتية لتطور غير مسبوق في التنوع البيولوجي بجنوب مصر.
حظر الصيد يطلق الحياة البرية في الجنوب
ركز المصوران إسماعيل خليفة وأحمد سالم رجب على أهمية القرار الصادر عن وزارة البيئة لحظر الصيد في بحيرة ناصر، مؤكدين أنه يشكل منعطفًا حاسمًا في مسار حماية الطيور المهاجرة والمقيمة معًا. هذا القرار دعمته الجمعية المصرية لحماية الطبيعة عبر إطلاق حملتها الوطنية “حتى تعود الطيور” التي أعلنت في بيان رسمي أن “تنظيم الصيد وحظره نهائيًا ببحيرة ناصر خطوة جوهرية لترسيخ الأطر القانونية وتعزيز السياسات الوطنية المعنية بصون الطبيعة وحماية الحياة البرية”.
وأكدت الجمعية في بيانها أن الحملة تهدف إلى تعزيز التزام الدولة المصرية بتطبيق الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية التنوع البيولوجي (CBD) واتفاقية الأنواع المهاجرة (CMS)، إضافة إلى حماية النظم البيئية الحساسة داخل بحيرة ناصر والوادي الجديد.
وتوضح الجمعية أن حظر الصيد الكامل في هذه المناطق يُعد خطوة نوعية تؤكد على حرص الدولة على الالتزام بمعايير الاستدامة البيئية، داعيةً إلى استكمال الجهود بتنشيط آليات الرقابة وضمان التطبيق الحازم للقانون دون استثناء.
لم تكن عودة الغاق الأفريقي ونساج القرية وشمعي المنقار مجرد أحداث عابرة في سجل الطيور المصرية، بل إشارات حية على أن البيئة في أقصى الجنوب بدأت تستعيد عافيتها. فبعد أن كانت بحيرة ناصر رمزًا للمياه الراكدة، أصبحت اليوم ملاذًا آمنًا للأنواع النادرة، ومسرحًا لقصص تتقاطع فيها جهود العلماء والمصورين والسياسات البيئية مع حكمة الطبيعة في التجدد والعودة.

















2 Responses
جزيل الشكر على التقرير الرائع
Bulk commenting service. 100,000 comments on independent websites for $100 or 1,000,000 comments for $500. You can read this comment, it means my bulk sending is successful. Payment account – USDT TRC20: 【TLRH8hompAphv4YJQa7Jy4xaXfbgbspEFK】. After payment, contact me via email ([email protected]), tell me your nickname, email, website URL, and comment content. Bulk sending will be completed within 24 hours. I’ll give you links for each comment. Please contact us after payment is made. We do not respond to inquiries prior to payment. Let’s work with integrity for long-term cooperation.