المتوسط يشتعل مناخيًا.. عاصفة الإسكندرية تكشف الخطر القادم

شارك:

لم تكن العاصفة التي اجتاحت الإسكندرية فجر السبت الماضي مجرد اضطراب جوي عابر، بل صفعة مناخية مدوّية، تذكّرنا بأن التغير المناخي لم يعد خطرًا مؤجلًا، بل واقعًا ماثلًا يتسلل بقوة إلى قلب المدن الساحلية، ويحوّل طقسها المعتاد إلى لوحة من الفوضى الجوية يصعب التنبؤ بها أو احتواؤها.
وشهدت مدينة الإسكندرية، في مشهد نادر الحدوث، عاصفة جوية عنيفة غيّرت ملامح الطقس المعتاد بشكل مفاجئ، في واقعة وصفها خبراء المناخ بأنها تمثل تحذيرًا واضحًا من تصاعد تأثيرات التغير المناخي، الذي لم يعد تهديدًا مستقبليًا، بل أصبح واقعًا ملموسًا يفرض تحديات متزايدة على المدن الساحلية، وعلى رأسها الإسكندرية.

أسهمت الرياح القوية التي ضربت المدينة في تجميع سحب من الطبقتين المنخفضة والمتوسطة، مما أدى إلى تشكّل “السحب الركامية”—وهي سحب كثيفة تتخذ شكلًا رأسيًا يشبه الجبل، ويمكن أن يصل ارتفاعها إلى نحو 10 كيلومترات. ونتيجة لذلك، شهدت الإسكندرية هطول أمطار غزيرة مصحوبة بحبات برد متفاوتة الحجم، تراوحت بين المتوسطة والكبيرة، ما أدى إلى تغطية الشوارع والأسطح خلال فترة وجيزة.

في هذا السياق، يقول الدكتور تحسين شعلة، خبير البيئة والمناخ، لـ “أوزون” إن ما شهدته المدينة الساحلية ليس إلا إحدى تجليات التطرف المناخي الذي بات سمة العصر. ويؤكد أن ما حدث، على شدّته، لا يمثل سوى لمحة صغيرة من مشهد مناخي أكثر قسوة كان بالإمكان أن يقع.

ويشرح شعلة لـ”أوزون” أن العاصفة كانت نتيجة مباشرة لنشاط رياح عاتٍ بلغت سرعتها ما بين 40 و50 مترًا في الساعة، وينفي بشدة وجود أي صلة بين هذه الظاهرة والانفجارات الشمسية كما يشاع.

تهديدات مناخية متزايدة
وأضاف شعلة أن تكوّن حبات البرد في قمة السحابة يعود إلى الانخفاض الكبير في درجات الحرارة بالطبقات العليا من الغلاف الجوي، حيث يتحول بخار الماء الصاعد إلى ثلج نتيجة البرودة الشديدة. وعند وجود جسيمات كربونية أو ملوثات في الهواء، فإنها تسهم في تشكّل بلورات ثلجية تُعرف علميًا بـ”الكربون الجاف”، والتي قد تبقى لفترات طويلة داخل السحابة بفعل التباين الحراري بين قمتها وقاعدتها.

ويؤدي هذا التفاوت في درجات الحرارة داخل السحابة إلى توليد شحنات كهربائية سالبة في الجزء العلوي، تتفاعل مع شحنات موجبة في الغلاف الجوي، ما يسبب حدوث البرق. وتصل حرارة البرق في هذه الحالة إلى نحو 20 ألف درجة مئوية خلال ثوانٍ معدودة، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف حرارة سطح الشمس.
وبحسب ما يقول شعلة: “تولد هذه الظاهرة طاقة كهربائية هائلة تقدر بنحو 130 مليون فولت لكل متر، تؤدي إلى تمدد مفاجئ في الهواء، ما ينتج عنه صوت الرعد، ويتزامن ذلك مع هطول الأمطار الغزيرة التي شهدتها المدينة”.

تفسير علمي

من جانبه، شرح المهندس البيئي المختص في الشأن المناخي، التونسي حمدي حشاد أن ما حدث في الإسكندرية كان نتيجة تصادم جوي عنيف بين كتلة هوائية دافئة صاعدة من الجنوب وأخرى باردة قادمة من الشمال، مما أدى إلى توليد طاقة حرارية عالية بفعل التفاوت الحاد في درجات الحرارة بين الكتلتين. وأسفر هذا التصادم عن عواصف رعدية قوية وأمطار غزيرة، رافقتها كرات جليدية نادرة تُعرف علميًا باسم “Graupel” – وهي ظاهرة تحدث عند توافر مستويات مرتفعة من الرطوبة مع تيارات هوائية باردة في الطبقات العليا من الغلاف الجوي.

ويشير حشاد لـ”أوزون” إلى أن مثل هذه الظواهر لم تعد استثنائية كما كانت في السابق، بل باتت تتكرر بوتيرة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يعزوه إلى الارتفاع المتسارع في درجة حرارة مياه البحر المتوسط، والتي تفوق المعدل العالمي بنسبة تصل إلى 20%. هذا الارتفاع يسهم في زيادة معدلات التبخر ويعزز فرص تشكّل العواصف، خصوصًا مع حدوث تغيّرات مفاجئة في أنماط التيارات الهوائية.

ويفسّر حشاد هذه الظواهر بما يُعرف باضطراب “التيار النفاث”—وهو تيار هوائي سريع في الطبقات العليا من الغلاف الجوي—والذي أدى التغير المناخي إلى زعزعة انتظامه، مما يتيح تسرب كتل هوائية باردة إلى مناطق دافئة في غير مواسمها المعتادة، تمامًا كما حدث في الإسكندرية.

وفي ظل تصاعد الظواهر الجوية المتطرفة التي شهدتها المدينة أخيرًا، تبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة شاملة لاستراتيجيات التكيّف المناخي. فالإسكندرية، باعتبارها من أكبر المدن الساحلية وأكثرها كثافة سكانية، تواجه مخاطر متزايدة ناتجة عن ارتفاع منسوب البحر، وتكرار العواصف الرعدية المفاجئة في توقيتات غير معتادة.

وتؤكد دراسات حديثة، أُجريت بالتعاون بين جامعة الإسكندرية ومركز بحوث المناخ في البحر المتوسط، أن ارتفاع درجة حرارة المتوسط بوتيرة تفوق المتوسط العالمي يؤدي إلى تسارع عمليات التبخر، ويغذي تكوّن السحب الركامية على نحو مستمر، وهو ما يرفع احتمالات تكرار الهطول الغزير وتساقط البَرَد مستقبلاً.

تأثيرات محلية وتحذيرات مستقبلية

شدد الخبراء على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي بضرورة الالتزام بخطط الطوارئ، وتفعيل آليات التعاون بين الجهات الحكومية والسكان، لضمان استجابة فعالة وسريعة في مواجهة الظواهر الجوية المتطرفة.
وفيما يتعلق بتأثير الحالة الجوية الأخيرة على الإسكندرية، أوضح الدكتور تحسين شعلة أن ما حدث لا يُصنّف كإعصار أو عاصفة بالمعنى العلمي الدقيق، بل هو نتيجة نشاط رياح قوي ضمن حالة جوية طارئة. وأكد أن التأثير المباشر على المدينة كان محدودًا نسبيًا، نظرًا لأن الرياح دفعت السحب الركامية باتجاه مناطق أخرى مثل تركيا، قبرص، واليونان، رغم أن حبات البَرَد تركت أثرًا واضحًا في بعض الأحياء.

وأشار شعلة إلى أن تكرار هذه الحالة الجوية الاستثنائية خلال الفترة المقبلة يُعد أمرًا غير مرجح، نظرًا لصعوبة تشكّل السحب الركامية في الأجواء الحالية، سواء في السواحل الشمالية أو المناطق الداخلية مثل القاهرة. وتوقّع أن تشهد البلاد حالة من الاستقرار الجوي على المدى القريب.

وأضاف أن منطقة البحر المتوسط، بحكم موقعها الجغرافي كنقطة التقاء بين ثلاث قارات، تُعد بطبيعتها أكثر عرضة لظواهر جوية غير متوقعة، ما يستدعي استعدادًا دائمًا ورصدًا دقيقًا لأي تغيرات مفاجئة.

ودعا شعلة إلى ضرورة تطوير آليات الرصد المبكر لتتبع الظواهر المناخية غير الاعتيادية في المدن الساحلية، مع إعداد خطط طوارئ شاملة للتعامل معها كاحتمالات قائمة على الدوام. كما طالب بتشكيل لجنة وطنية دائمة لمراقبة نشاط الرياح وتكوّن السحب الركامية على وجه الخصوص، لا سيما في سواحل البحر المتوسط التي تُعد من أكثر المناطق عرضة لمثل هذه الظواهر.

وأكد في ختام حديثه على أهمية تبني إجراءات احترازية مستقبلية، من بينها دراسة إمكانية إجلاء السكان من المناطق القريبة من الشريط الساحلي لمسافة لا تقل عن كيلومترين في حال توقع حالات جوية شديدة، إلى جانب وضع خطط وقائية متكاملة لمواجهة أية سيناريوهات مناخية طارئة قد تتكرر في المستقبل.

من جانبه لفت المختص في الشأن المناخي المناخي حمدي حشاد إلى أن ما حدث في الإسكندرية يعكس نمطًا متكررًا من الظواهر الجوية المتطرفة المرتبطة مباشرة بتداعيات الاحتباس الحراري، والتي لم تعد استثنائية أو محصورة بموقع جغرافي معين. وأكد أن تسارع وتيرة تغير المناخ أربك النماذج التقليدية للتنبؤ الجوي، مما يتطلب تطوير آليات إنذار مبكر أكثر مرونة ودقة، تستند إلى بيانات آنية من البر والبحر.

وشدد حشاد في ختام حديثه لـ”أوزون” على أن مواجهة هذه الظواهر تتطلب تنسيقًا إقليميًا واسع النطاق، خاصة بين دول البحر المتوسط، إلى جانب إدماج مفهوم “المرونة المناخية” في تخطيط المدن، من خلال بنية تحتية ذكية وقادرة على التكيّف، وشراكات متكاملة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

Picture of ندى الحفني

ندى الحفني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

logo-oxary
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et dolore