في الوقت الذي كانت فيه مدينة الإسماعيلية تحتفي بمنتجها الأشهر في مهرجان المانجو الذي انطلق يوم الجمعة الماضي، كان إبراهيم صالح يقف في ظل شجرة مانجو، مستمتعًا بنسمة هواء خفيفة تُلطف نهارًا صيفيًا شديد الحرارة، قضاه في قطف الثمار الناضجة من مزرعة عائلته، إلى جانب استقبال زوار المزرعة ضمن أنشطة السياحة الريفية التي تنتعش مع أجواء المهرجان.
غير أن تغير المناخ ترك أثره الواضح على إنتاجية محصول المانجو في المزرعة التي يديرها صالح مع أشقائه؛ إذ يقارن المزارع المصري بين موسم هذا العام والعام الماضي، حين أثمرت جميع الأشجار بغزارة، معوّضة سنوات من تراجع المحصول بسبب موجات الطقس المتقلبة التي ضربت المنطقة على مدى خمسة أعوام.
يقول صالح لـ”أوزون”: “بدأت في تحويل جزء من المزرعة هذا العام لاستقبال الزوار ضمن أنشطة السياحة الريفية ورحلات قطف المانجو، في محاولة لتعويض خسائر الإنتاج الناتجة عن تقلبات الجو”.
ويضيف إبراهيم، الذي يتشارك إدارة المزرعة مع أشقائه بالقرب من قناة السويس: “هذا الموسم ضعيف للغاية مقارنة بالعام الماضي الذي شهد إنتاجًا وفيرًا. لا يمكن المقارنة بينهما، فقد تغيرت عدة عوامل؛ فالأشجار التي أثمرت بغزارة في الصيف الماضي أخذت هذا العام فترة راحة، ما جعل كمية الثمار أقل بكثير”.
ويتابع: “إضافة إلى ذلك، ضربتنا موجة حر في فصل الشتاء أعقبتها رياح ترابية، كما تساقطت بعض الثمار بسبب ما نسميه نحن المزارعين بـ(الشرد)، أي موجات الحر الشديد المصحوبة برطوبة مرتفعة”.
يفسر إبراهيم لجوءه إلى فتح المزرعة أمام الزوار لتنظيم أنشطة السياحة الريفية ورحلات قطف المانجو، كخطوة لتعويض الخسائر الناتجة عن تراجع المحصول، إلى جانب العمل على حلول طويلة المدى لعلاج الأشجار.
وتشمل هذه الحلول تقليم أو إزالة بعض الأشجار التي تنتج أصنافًا محلية باتت أكثر عرضة للتأثر بتقلبات الطقس، مثل “الفونس” و”السكري” و”العويس”، واستبدالها بأصناف مستحدثة أكثر قدرة على التكيف، مثل “كيت” و”كنت” و”ناعومي” و”تومي” و”كريمسون”.

بائع في أحد أسواق الإسماعيلية يعرض أصناف المانجو المحلية في ذروة موسمها، وسط تحديات مناخية تهدد إنتاجية الفاكهة الأشهر في مصر. تصوير: محمد عوض – أوزون
المانجو والتغير المناخي
تمثل التغيرات المناخية تحديًا عالميًا متصاعدًا، وتنعكس آثارها بوضوح في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد ارتفاعًا في درجات الحرارة بمعدل يقارب ضعف المتوسط العالمي، مع توقعات بزيادة قد تصل إلى 5 درجات مئوية أو أكثر بحلول نهاية القرن، خاصة في فصل الصيف. وتكتسب زراعة المانجو في مصر أهمية اقتصادية وثقافية كبيرة، إذ تُعد من المحاصيل البستانية النقدية ذات القيمة العالية عالميًا.
تُصنَّف مصر بين أكبر منتجي المانجو في العالم، حيث تزدهر زراعتها في مناطق دلتا النيل الشمالية، وصعيد مصر، ومناطق قناة السويس. وتبلغ المساحة المزروعة بالمانجو نحو 320 ألف فدان، بإنتاج سنوي يتجاوز 1.2 مليون طن. ويُوصف هذا المحصول بأنه “العمود الفقري للاقتصاد” في مناطق رئيسية مثل الإسماعيلية، التي تحتضن ما يقارب ثلث الإنتاج المصري.
ولا يقتصر هذا الوصف على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يعكس أيضًا اعتمادًا هيكليًا عميقًا لمجتمعات بأكملها على هذا المحصول. وعليه، فإن تداعيات التغير المناخي على المانجو لا تمثل مجرد خسائر زراعية، بل تشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في تلك المناطق.
بحسب بيان رسمي صادر عن ديوان محافظة الإسماعيلية، يكتسب محصول المانجو أهمية متصاعدة في الاقتصاد الزراعي القومي، إذ أصبح من أبرز المحاصيل التصديرية في مصر خلال السنوات الأخيرة. وتمثل المساحة المزروعة بالمانجو في المحافظة نحو ثلث إجمالي المساحة المزروعة بهذا المحصول على مستوى الجمهورية، ما يعزز مكانتها كمركز زراعي متقدم وركيزة أساسية في إنتاج وتصدير هذا المحصول الحيوي.
وأشار البيان إلى أن الإسماعيلية تنتج أكثر من 720 ألف طن من المانجو سنويًا، على مساحة تقارب 120 ألف فدان، مما يؤهلها لتكون في صدارة خريطة الإنتاج الزراعي محليًا وعالميًا. وتبلغ صادرات المحافظة نحو 40% من إجمالي صادرات مصر من المانجو، حيث يتم تصدير الإنتاج إلى 50 دولة، من أبرزها السعودية ودول الخليج وتركيا والبرازيل، وتشمل الصادرات 26 ألف طن من المانجو الطازجة، و55 ألف طن من المانجو المصنعة.

مشهد من بستان في الإسماعيلية تظهر فيه آلاف حبات المانجو مصطفّة بعناية في درجات نضج مختلفة، استعدادًا للفرز والتسويق خلال ذروة الموسم. تصوير: محمد عوض – أوزون
أسباب تراجع الإنتاج
شهدت بساتين المانجو المصرية تحديات كبيرة ناجمة عن التغيرات المناخية، حيث أدّت موجات الحرارة غير المعتادة خلال شهري فبراير ومايو إلى انخفاض يتراوح بين 30 و40 بالمئة في إنتاج المانجو بمحافظة الإسماعيلية، وفقًا لتقديرات مزارعين التقاهم فريق “أوزون”.
ويفسر عمر الخضري، المهندس بمركز البحوث الزراعية في الإسماعيلية، هذا التراجع بأن تواتر الظواهر الجوية المتطرفة يؤدي إلى ظهور أمراض وآفات جديدة تعيق العمليات الفسيولوجية للنبات، وتُضعف عملية التلقيح، ما ينعكس على الإنتاجية والجودة.
ويوضح لـ”أوزون” أنه على سبيل المثال، يمكن لموجة حر واحدة أن تضعف الأشجار، فتجعلها أكثر عرضة للآفات التي تزدهر في الأجواء الأكثر دفئًا، بينما تؤثر الأمطار غير المنتظمة على وفرة المياه، وهو ما يدفع المزارع للتفكير في حلول للتكيف مع اضطراب درجات الحرارة وتأثيرها على حجم المحصول.
ويضيف الخضري أن مدى استجابة المزارع لتبعات التغير المناخي يعتمد أساسًا على اعتبارات اقتصادية، حيث يسعى المزارع إلى خفض تكاليف رعاية الأشجار، حتى لو تطلب الأمر اقتلاعها وزراعة بدائل أقل تكلفة وأسرع إنتاجًا.
ويتابع الخضري، وهو أيضًا منتج للمانجو يدير مزرعة شمالي الإسماعيلية: “إنتاج هذا العام أقل بنسبة 30 بالمئة مقارنة بالعام الماضي. العام الماضي كنت أستطيع جمع نحو 10 عبوات (وزن العبوة 10 كيلوغرامات) يوميًا من الثمار الناضجة التي تسقط تلقائيًا من الأشجار، أما هذا العام فلا أتجاوز سبع عبوات يوميًا”.
ويرجع سبب التراجع إلى أن الموسم الماضي كان غنيًا بالإنتاج، ما ترك للأشجار فترة تعافٍ قصيرة قبل الموسم الحالي، إضافة إلى تقلبات الطقس خلال السنوات الخمس الأخيرة، التي دفعت المزارعين إلى ترك الثمار أطول فترة ممكنة للنضج على الأشجار، وهو ما أثّر على طاقة الأشجار الإنتاجية هذا العام.
ويشرح الخضري أن انخفاض الإنتاج يرجع إلى تغيّر الظروف الجوية المناسبة لمرحلة الإزهار ثم الإثمار، وهو ما سبّبه التغير المناخي، حيث أثر على قدرة الأشجار على تحمل تباين درجات الحرارة، وقلل من قدرة المزارعين على تحمّل تكاليف الإنتاج، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار المانجو في الأسواق.
ويلفت الخضري إلى اختفاء أصناف شهيرة بطعمها المميز مثل “الفونس” و”تيمور” و”الهندي” و”السناري” من الأسواق، بسبب ضعف قدرة أشجارها على التكيف مع التغيرات المناخية وارتفاع تكاليف رعايتها، مما جعل من السهل على المزارعين الاستغناء عنها لصالح أصناف مستحدثة أكثر قدرة على تحمّل التقلبات الجوية وإنتاج محصول أكبر.

يد مزارع تحمل ثلاث ثمرات مانجو ناضجة بلونها الذهبي، التقطت خلال موسم الحصاد في الإسماعيلية. تصوير: محمد عوض – أوزون
يعزز هذا الرأي ما خلصت إليه دراسة أكاديمية نُشرت في يناير 2025 بمجلة العلوم البيئية التابعة لكلية الدراسات العليا والبحوث البيئية بجامعة عين شمس، حيث بيّنت أن محصول المانجو يتأثر بعوامل مناخية متعددة، منها تغيّر درجات الحرارة في الشتاء، والأمطار، والرطوبة، والرياح، والعواصف، وموجات الصقيع في الربيع.
وأشارت الدراسة، التي أجراها الدكتور محمد عبد اللطيف، إلى أن أراضي المانجو في الإسماعيلية تتأثر سلبًا بارتفاع درجات الحرارة في شهري فبراير ونوفمبر، وارتفاع الرطوبة في شهر مايو، مما يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية بمقدار 0.428 طن لكل فدان. كما أن ارتفاع درجة الحرارة الصغرى بمقدار وحدة واحدة خلال أشهر نوفمبر وفبراير ومايو ويوليو وأغسطس يتسبب في تراجع الإنتاجية بمقدار 0.30 طن للفدان.
أما هذا الاختلاف في درجات الحرارة بين الصيف والشتاء، الذي تتناوله الدراسات الأكاديمية بلغة علمية، فيشرحه المزارع إبراهيم صالح ببساطة لـ”أوزون”، مشيرًا إلى مساحة من الأشجار اضطر إلى اقتلاعها وزراعة أصناف مانجو حديثة أكثر قدرة على تحمل تقلبات الطقس، وتستمر في الإنتاج حتى نهاية فصل الصيف.
ويقول إبراهيم: “لم نصل بعد إلى منتصف شهر أغسطس، لكن أشجار المانجو السكري والعويس قد أنهت إنتاجها، وما تبقى هو من الأصناف الجديدة. وهذا يدفعنا إلى إزالة أشجار لأنواع من المانجو نحبها، من أجل الحفاظ على الإنتاجية وتقليل التكاليف”.

















12 Responses
بالتوفيق و متميز دائما
There is definately a lot to find out about this subject. I like all the points you made
This was beautiful Admin. Thank you for your reflections.
Pretty! This has been a really wonderful post. Many thanks for providing these details.
I am truly thankful to the owner of this web site who has shared this fantastic piece of writing at at this place.
This is my first time pay a quick visit at here and i am really happy to read everthing at one place
For the reason that the admin of this site is working, no uncertainty very quickly it will be renowned, due to its quality contents.
I truly appreciate your technique of writing a blog. I added it to my bookmark site list and will
You’re so awesome! I don’t believe I have read a single thing like that before. So great to find someone with some original thoughts on this topic. Really.. thank you for starting this up. This website is something that is needed on the internet, someone with a little originality!
For the reason that the admin of this site is working, no uncertainty very quickly it will be renowned, due to its quality contents.
I truly appreciate your technique of writing a blog. I added it to my bookmark site list and will
I saw a lot of website but I conceive this one has got something extra in it in it