في مدينة القنطرة بالإسماعيلية، وعلى بعد نحو 120 كيلومترًا من العاصمة المصرية القاهرة، يقف عبد العظيم محمد معتمرًا قبعة تقيه من حرارة الشمس، يتفقد نباتات فاكهة التنين (الدراجون فروت) التي تنمو على دعامات خشبية أشبه بأعمدة العنب، وقد تدلت منها ثمار وردية زاهية اللون.
وبينما يقصّ الأطراف الذابلة ويهذب الأغصان، يشرح قائلاً لـ”أوزون”: “بدأت المزرعة قبل خمس سنوات بزراعة أشجار دراجون فروت، لكن هذا العام كان الإنتاج لافتًا للنظر، يكفي لتغطية حجم العمل المبذول فيها”.
وفي مواجهة تقلبات المناخ التي تهدد الزراعة التقليدية في مصر، يلجأ المزارعون إلى الزراعة المحمية (الصوب الزراعية) كحل عملي للتكيف مع التغيرات المناخية، وأيضًا كوسيلة مبتكرة تتيح إنتاج محاصيل غير معتادة، أبرزها الفواكه الاستوائية.
اليوم، لم تعد تلك الثمار التي كانت تُعد يومًا بعيدة المنال بعيدة عن المائدة المصرية؛ ففاكهة التنين (دراجون فروت) والليتشي والباشون فروت وجدت طريقها إلى الحقول المحلية، بفضل تقنيات زراعية حديثة تقلل استهلاك المياه وتوفر بيئة بديلة عن قسوة المناخ.
يشير عبد العظيم إلى ثمرة ناضجة بيده موضحًا: “لكي تنمو هذه الثمار بشكل جيد، نحتاج إلى تقليل أشعة الشمس وخفض درجة الحرارة عن معدلات الصيف العالية، مع ري محسوب ومنتظم للإنتاج الجيد، مع فترات جفاف قصيرة ودون إفراط، وهو ما توفره الصوبة الشبكية”.
تجسد قصة عبد العظيم رحلة ذات دلالة على التحول من الزراع التقليدية إلى زراع الصوب الزراعي، بعد أن أمضى المزارع المقيم في مدينة القنطرة غرب بمحافظة الإسماعيلية سنوات يعمل في مزارع البرتقال والمانجو بالطرق التقليدية، قرر خوض مغامرة مختلفة قبل خمس سنوات، محولًا أرضه إلى ما يشبه شبكة عملاقة من الصوب الزراعية بالشباك لزراعة فاكهة التنين.
واليوم، يجمع دورة الإنتاج الثانية لمحصوله، في مؤشر واضح على أن الفواكه الاستوائية لم تعد مجرد تجارب محدودة، بل أصبحت واقعًا يترسخ تدريجيًا في الأراضي المصرية.

مزارع بالإسماعيلية يعرض شتلة نامية داخل صوبة زراعية – تصوير محمد عوض/أوزون
مقومات النجاح
بحسب تعريف دليل إرشادي حول الإنتاج الزراعي المكثف في الصوب الزراعي للمركز القومي للبحوث، أعده الدكتور زكريا فؤاد فوزي الأستاذ بمعهد البحوث الزراعية والبيولوجية، “يقصد بها زراعة وإنتاج المحاصيل في منشآت خاصة لغرض حمايتها من الظروف الجوية غير المناسب، لإمكانية إنتاجها في غير موسمها، وتتوفر للخضراوات داخل هذه البيوت الظروف البيئية التي تلائم نموها الخضري والثمري من حيث درجات الحرارة وشدة الإضاءة.
تتفق تجربة عبد العظيم مع ما ورد في الأدلة الإرشادية الصادرة عن المركز القومي للبحوث الزراعية، التي تشير إلى أن زراعات الصوب بدأت في مصر منذ أواخر السبعينيات، لكنها شهدت توسعًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة مع التوجه الحكومي لتطوير المنظومة الزراعية والاعتماد على التكثيف الزراعي باستخدام التكنولوجيا الحديثة.
هذه الصوب، سواء كانت مرتفعة أو على شكل أنفاق بلاستيكية منخفضة، توفّر حماية للمحاصيل من الظروف الجوية القاسية، وتحد من الإصابات الحشرية والأمراض، وتتيح إنتاج الخضر والفواكه بجودة عالية وخارج مواسمها الطبيعية.
وفي السياق ذاته، تؤكد مديرية الزراعة بالإسماعيلية أن المحافظة تمتلك مقومات بيئية وزراعية تجعلها أرضًا واعدة لزراعة الفواكه الاستوائية. ويشير بيان رسمي إلى أن نجاح تجربة الدراجون فروت يمهّد الطريق أمام إدخال محاصيل جديدة مثل الباشون فروت والجاك فروت، بما يعزز القيمة المضافة للاقتصاد الزراعي ويدعم خطط الدولة في استغلال الموارد المحلية.
ويشرح المهندس حسن حال، مدير الإدارة الزراعية بالقنطرة غرب، أن زراعة الدراجون فروت بالإسماعيلية أصبحت تجربة ناجحة بفضل قدرة هذا المحصول على تحمل درجات الملوحة والجفاف والتقلبات المناخية، إلى جانب قيمته الغذائية العالية. ويضيف أن الصوب الشبكية تلعب دورًا حيويًا في مواجهة الحرارة المرتفعة التي تتجاوز في مصر أحيانًا 40 درجة مئوية، إذ تساعد على تقليل درجات الحرارة داخلها ومنع انتشار الآفات والأمراض، بينما يكون الشتاء بطبيعته أكثر ملاءمة لنمو النبات.
ويؤكد حال أن نجاح زراعة فاكهة التنين في مصر يعود إلى إنتاجيتها العالية وجدواها الاقتصادية للمزارعين، موضحًا أنها من ثمار الصباريات التي تحتاج إلى كميات قليلة من المياه، وتتمتع بقدرة على مقاومة الفطريات والإصابات المرضية.
لكنه يلفت إلى أن النبات يتأثر بالبرودة الشديدة في الشتاء، ما يجعل الاعتماد على الصوب البلاستيكية ضروريًا لتهيئة الظروف المناخية المناسبة للنمو، كما هو الحال مع الزراعات المحمية للخضروات.
وتدعم هذه التجربة ما ورد في دليل مركز البحوث الزراعية، الذي يشير إلى أن التغيرات المناخية ساهمت في انتشار بعض الفواكه الاستوائية بمصر، لاسيما تلك التي تحتاج إلى أجواء دافئة. فقد أثرت هذه التغيرات على مواعيد الزراعة وإنتاج المحاصيل، مما أدى إلى ظهور أنواع من الفواكه خارج مواسمها المعتادة، بالإضافة إلى إدخال أصناف جديدة أكثر قدرة على التكيف.
ومع ذلك، لا يرتبط هذا الازدهار بالمناخ وحده؛ إذ كان للتوسع في استخدام التقنيات الزراعية الحديثة، مثل الأنفاق البلاستيكية والصوب الزراعية، دور أساسي في دعم انتشار هذه الفواكه وتحقيق جدواها الاقتصادية.
تحديات وفرص
برغم النجاحات التي حققتها تجارب زراعة الفواكه الاستوائية في محافظات مثل الوادي الجديد والإسماعيلية والشرقية، إلا أن الطريق أمام التوسع ما زال محفوفًا بالتحديات. أبرز هذه العقبات تكمن في التكلفة الأولية العالية، إذ يتطلب إنشاء الصوبات الزراعية استثمارات كبيرة نسبيًا قد تشكل عبئًا على صغار المزارعين.
يستعيد عبد العظيم محمد تجربته قائلاً: “سعر الشتلة الواحدة من دراجون فروت كان 100 جنيه، واحتجت إلى نحو 100 شتلة لبدء المشروع. لم يظهر الإنتاج إلا بعد عام ونصف تقريبًا، لكن بعد خمس سنوات أصبح المحصول وفيرًا”، مشيرًا إلى أن الصبر ورأس المال المبدئي هما المفتاح.
ويتفق معه المهندس حسن حال، موضحًا أن إنتاجية الفدان الواحد من الدراجون فروت قد تصل إلى طنين من الثمار إذا توفرت الظروف المناخية المناسبة. ويضيف أن التوسع في استخدام الصوب الزراعية لإنتاج الشتلات يمثل نقلة نوعية، إذ تساهم هذه التقنية في الحفاظ على البذور وزيادة نسب الإنبات، بما يقلل من خسائر الشتلات ويضمن استدامة الإنتاج.
كما توفّر الصوب الزراعية حماية إضافية للنباتات من التقلبات الجوية والآفات الحشرية، وتتيح إنتاج محاصيل خارج مواسمها الطبيعية. ففي المناطق الباردة يمكن الاعتماد على الصوب المدفأة لإنتاج محاصيل صيفية، بينما تُستخدم الصوب المبردة في المناطق شديدة الحرارة. وتختلف هذه المنشآت في أشكالها ومواد تصنيعها، وقد تُجهّز أو لا تُجهّز بأنظمة تبريد وتحكم في مستويات ثاني أكسيد الكربون.
بهذا الشكل، تتحول الصوب إلى أداة مزدوجة؛ فهي من جهة تحمي المزارعين من مخاطر المناخ، ومن جهة أخرى تفتح أمامهم فرصًا اقتصادية واعدة، رغم التحديات التي لا تزال قائمة.؛

مزارع داخل صوبة زراعية يتفقد نباتاته الصغيرة – رخصة المشاع الإبداعي
زراعة محمية محليًا وسوق عالمي واعد
حققت الصوب البلاستيكية نجاحًا كبيرًا في مجال الزراعات المحمية، خصوصًا لإنتاج الخضر في كل من المناطق الحارة والباردة، ووفرت عائدًا اقتصاديًا مرتفعًا رغم ارتفاع تكاليف إنشائها. ووفق بيانات قطاع الشؤون الاقتصادية بوزارة الزراعة لموسم 2024، بلغ عدد الصوب المزروعة في مصر نحو 69.8 ألف صوبة، بمساحة إجمالية تقدّر بـ 37.9 مليون متر مربع.
وعلى الصعيد العالمي، تشير إحصاءات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) لعام 2022 إلى أن سوق الفواكه الاستوائية يشهد نموًا متسارعًا، حيث تُعد دول مثل الهند والبرازيل وتايلاند من أبرز المنتجين. ويُظهر التقرير أن الطلب العالمي على هذه الفواكه يرتفع بمعدل يتراوح بين 5 و8% سنويًا، ما يجعلها فرصة استثمارية واعدة.
أما في مصر، فبرغم غياب إحصاءات رسمية دقيقة حول إنتاج الفواكه الاستوائية داخل الصوب بشكل منفصل، تؤكد بيانات وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي أن المساحات المزروعة بالفواكه غير التقليدية في تزايد مستمر. كما يتوقع خبراء زراعيون أن يؤدي هذا النمو إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد وزيادة فرص التصدير للفواكه ذات القيمة المضافة العالية.
بالعودة إلى عبد العظيم، نجده يقف على أطراف الصوب وسط أرضه متأملًا ثمار التنين الوردية المتدلية من بين الدعامات الخشبية. قبل سنوات، كان الأمر مجرد حلم محفوف بالمخاطرة، أما اليوم فقد صار حقيقة تتجسد في كل ثمرة تنمو رغم حرارة الصحراء وقسوة المناخ. هكذا تتحول التجارب الفردية إلى قصة أمل كبير، عنوانها أن الزراعة في مصر قادرة على التجدد والتكيف، وأن الفواكه الاستوائية لم تعد غريبة عن أرضها، بل صارت بشارة لمستقبل زراعي أكثر استدامة وفرصًا.

















2 Responses
مبدع كالعاده حضره القائد
I just could not depart your website before suggesting that I extremely enjoyed the standard info a person provide for your visitors? Is going to be back often in order to check up on new posts