في صيف عام 2025، اجتاحت السودان موجة فيضانات استثنائية خلّفت وراءها دمارًا كبيرًا وأثارت جدلًا سياسيًا وإعلاميًا محتدمًا. في الخرطوم والقاهرة، تردّد السؤال نفسه؛ هل كان سد النهضة الإثيوبي وراء الكارثة، أم أن النيل الأبيض هو ما فجّر الفيضان وأغرق المدن ورفع منسوب النهر حتى مصر؟
وفي خضم الأزمة، أصدرت وزارة الزراعة والري السودانية بيانًا، يوم 30 سبتمبر/أيلول الماضي، أرجعت فيه الفيضانات إلى تلاقي ثلاثة عوامل؛ أمطار غزيرة متأخرة على الهضبة الإثيوبية، وتضخم استثنائي في تدفقات النيل الأبيض تجاوزت 60 إلى 100 في المائة أعلى من المتوسط، وتصريف كميات ضخمة من بحيرة سد النهضة ابتداءً من 10 سبتمبر الماضي وصلت في ذروتها إلى 750 مليون متر مكعب يوميًا.
من جانبها، سارعت إثيوبيا إلى النفي، معتبرة في بيان رسمي، يوم 4 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، أن ربط الفيضان بالسد “خطاب مضلل”، مؤكدة أن السبب الحقيقي يعود إلى الأمطار الموسمية والتدفقات غير المسبوقة للنيل الأبيض. وشدّدت أديس أبابا على أن سد النهضة مشروع سيادي للتنمية وتوليد الكهرباء لا علاقة له بالكوارث الطبيعية.
بين هاتين السرديتين المتعارضتين، يجيب تحقيق “أوزون” عن السؤال الشائك؛ ما السبب الحقيقي وراء فيضان 2025: هل النيل الأبيض وحده كما تقول إثيوبيا، أم الأزرق والأبيض معًا حسب الرواية السودانية؟
وللإجابة عن هذه التساؤلات بعيدًا عن الخطاب السياسي، ننطلق إلى تحليل صور الأقمار الصناعية وبيانات الاستشعار عن بعد. فنتتبع مسار النيل الأزرق من بحيرة السد الإثيوبي حتى الخرطوم، بالإضافة إلى رصد منسوب النيل الأبيض، ومقارنة منسوب النهرين بالعام الماضي، ثم رصد أثر الفيضان شمالًا داخل الأراضي المصرية

صورة فضائية بتاريخ 25 سبتمبر 2025 تُظهر التقاء النيل الأزرق بالنيل الأبيض في الخرطوم، مع اتساع المجرى وغمر مساحات زراعية وعمرانية مجاورة – المصدر:القمر الصناعي Sentinel-2 (برنامج كوبرنيكوس الأوروبي)
كيف رصدنا التغيرات؟
في هذا الرصد لمجرى النيل من سد النهضة حتى الخرطوم، استخدمنا صور الأقمار الصناعية الطبيعية، بالإضافة إلى نطاق الأشعة تحت الحمراء القصيرة (SWIR) ضمن بيانات القمر الصناعي الأوروبي Sentinel-2 التابع لبرنامج Copernicus (برنامج مراقبة الأرض التابع للاتحاد الأوروبي ووكالة الفضاء الأوروبية – ESA). صُمم خصيصًا لمراقبة سطح الأرض بدقة عالية، ويستخدم على نطاق واسع في الأبحاث البيئية، والزراعة، وإدارة المياه، ورصد الكوارث الطبيعية؛ مثل الفيضانات والحرائق، وهو أداة مهمة للغاية في تتبّع التغيرات المائية.
يعمل نطاق الأشعة تحت الحمراء القصيرة (SWIR) على إبراز المياه بشكل أكثر وضوحًا؛ لأنه يتميز بقدرة عالية على تمييز الماء عن التربة الرطبة أو الغطاء النباتي. فالمياه تمتص أشعة الأشعة تحت الحمراء القصيرة ولا تعكسها؛ ما يجعلها تظهر بلون داكن مميز مقارنة بالخضرة أو الأراضي المكشوفة. هذه الخاصية مكّنتنا من قياس اتساع مجرى النهر بدقة، ورصد الغمر الجانبي للأراضي الزراعية والسهول الفيضية حول النيل الأزرق والأبيض.
الأهمية هنا أن النطاق لا يكتفي بتوضيح المجرى الرئيس، بل يسمح بكشف الانتشار الأفقي للمياه في فترات الفيضان، ويظهر كيف اتسع عرض النهر في صور عام 2025 مقارنة بعام 2024. بهذه الطريقة، وفر SWIR دليلًا بصريًا قويًا يعزز استنتاجنا بأن موجة المياه في عام 2025 لم تكن مجرد ارتفاع عابر في المنسوب، بل فيضانا ممتدّا غمر مساحات أوسع؛ ما يؤكد دلالات الصور في سياق التحقيق.
سد النهضة والنيل الأزرق
تبدأ المرحلة الأولى من التحليل عند سدّ النهضة نفسه في منتصف سبتمبر/أيلول من عامي 2024 و2025؛ حيث وفرت لنا صور القمر الصناعي Sentinel-2 مشاهد دقيقة لمسار النيل الأزرق؛ من مخرج السدّ مرورًا بأول نقطة دخوله الأراضي السودانية، وصولًا إلى العاصمة الخرطوم عند ما يُعرف بـ”المقرن”؛ أي نقطة التقاء النيل الأزرق بالنيل الأبيض لتكوين نهر النيل الرئيسي.
ويكشف تحليل صور القمر الصناعي Sentinel-2 عن تغيّر لافت في سلوك التصريف من سد النهضة الإثيوبي خلال سبتمبر 2025. ففي حين تظهر اللقطات المؤرخة 31 أغسطس أنّ بوابات التصريف كانت مغلقة أو شبه مغلقة، فإن صورة 15 سبتمبر تكشف بوضوح فتح التصريف واندفاع كميات كبيرة من المياه من مخرج السد باتجاه مجرى النيل الأزرق.
هذه الدلالة البصرية تتطابق مع البيانات السودانية التي أشارت إلى أن تصريفًا ضخمًا بدأ منذ 10 سبتمبر وبلغ ذروته لاحقًا، وهو ما عزّز موجة .الفيضان التي اجتاحت الخرطوم بالتزامن مع تدفقات النيل الأبيض

كما توضح لقطات الأقمار الصناعية في الفترة نفسها لعام 2025 اتساعًا ملحوظًا في مجرى النيل الأزرق مقارنة بصور عام 2024. يظهر ذلك جليًا بعد عبور النهر إلى الأراضي السودانية مباشرة؛ حيث اتسع عرض النهر وتدفقت المياه إلى قنوات جانبية كانت أقل نشاطًا في العام السابق. وتكشف الصور عن ألسنة مائية ممتدة ومسطحات جانبية مغمورة على ضفتي النهر داخل الأراضي السودانية؛ وهو ما يشير إلى فيضان أعرض نطاقًا. كذلك، تبدو الجزر النهرية التي كانت واضحة في لقطات عام 2024 وقد غمرتها المياه جزئيًا أو كليًا في عام 2025؛ ما يعكس ارتفاعًا في المنسوب واتساعًا في مساحة الغمر الفيضاني.

وعند الخرطوم، قبل أن يلتقي النيل الأزرق بالنيل الأبيض، تكشف لقطات نهاية سبتمبر/أيلول عام 2025 عن زيادة ملحوظة في مجرى النيل الأزرق القادم من إثيوبيا مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024؛ حيث تظهر بوضوح برك فيضية متصلة وتمدد بقع المياه في الأراضي الزراعية شرق النهر وشماله؛ ما يعكس حجم الغمر وحدّة الفيضان الذي اجتاح العاصمة السودانية في تلك الفترة.

تكشف صور الأقمار الصناعية الملتقطة أمام سد جبل أولياء على النيل الأبيض، في الطريق نحو الخرطوم، عن ارتفاع واضح في المنسوب، خلال نهاية سبتمبر/أيلول عام 2025، مقارنة بالتوقيت ذاته من عام 2024. يتجلى ذلك في اتساع سطح المياه وغمر مساحات أوسع من الجزر النهرية والسهول الزراعية المجاورة؛ حيث بدت بعض الجزر التي كانت ظاهرة في عام 2024 مغمورة جزئيًا أو كليًا في عام 2025.
أهمية هذا الرصد تنبع من موقع سد جبل أولياء باعتباره نقطة استراتيجية على مجرى النيل الأبيض؛ إذ يمثل مؤشرا مبكرا على قوة التدفقات المائية المتجهة شمالًا نحو العاصمة. ومع الزيادات غير المسبوقة في إيراد النيل الأبيض منذ عام 2020، فإن متابعة المنسوب أمام السد توضح أن جزءًا معتبرًا من أزمة عام 2025 ارتبط بالفيضان الأبيض.

كما تكشف صور الأقمار الصناعية عند المقطع الأخير من النيل الأبيض قبل التقاءه بالنيل الأزرق مباشرة عن اتساع غير اعتيادي للمجرى في نهاية سبتمبر/أيلول عام 2025 مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024. يتضح ذلك من خلال ظهور مسطحات فيضية ممتدة على الضفة الغربية للنهر، وغمر مساحات زراعية ومناطق منخفضة كانت واضحة في صور العام السابق. هذا المشهد يعكس أن النيل الأبيض دخل إلى الخرطوم وهو في حالة فيضان مرتفع بالفعل؛ ما يعني أن موجة المياه القادمة من الجنوب قد أسهمت بشكل مباشر في رفع الذروة عند المقرن.

تكمن أهمية هذا الرصد في توضيح أن الفيضان الذي ضرب الخرطوم ليس ناتجًا عن النيل الأبيض وحده كما تدعي إثيوبيا، لكن يبدو أن تصريف سد النهضة تسبب في زيادة بالفعل هذا العام، وجاء الفيضان نتيجة التقاء موجتين متزامنتين؛ تضخم استثنائي للنيل الأبيض مع تصريف وذروة الأمطار على النيل الأزرق. وهذا التزامن هو ما جعل فيضان عام 2025 أحد أعنف الفيضانات التي شهدتها العاصمة السودانية في العقد الأخير.
ماذا حدث في مصر؟
لم تتوقف آثار فيضان عام 2025 عند حدود الخرطوم، بل امتد أثره شمالًا داخل الأراضي المصرية. ومع وصول الموجة المائية المزدوجة—النيل الأزرق القادم من إثيوبيا والنيل الأبيض القادم من جنوب السودان—ارتفعت المناسيب تدريجيًا في مجرى النهر الرئيسي حتى أسوان، ثم انعكست الزيادة بشكل أوضح عند المقاطع الوسطى والدلتا.
وتؤكد بيانات وزارة الري المصرية أن أراضي طرح النهر والجزر النيلية كانت الأكثر تأثرًا؛ إذ غُمرت مساحات واسعة في محافظات المنوفية والبحيرة والدقهلية؛ وهو ما ظهر في مشاهد ميدانية من جزيرة داوود بالمنوفية وغيرها. هذه المناطق تمثل بطبيعتها “متنفسًا” للنهر عند الفيضانات، لكنها في السنوات الأخيرة تحولت إلى أراضٍ زراعية أو عمران؛ ما جعل الغمر أكثر إضرارًا بالسكان.
وتكشف صور الأقمار الصناعية الملتقطة عبر Sentinel-2 عن مشهد متكرر في ثلاث نقاط على النيل داخل مصر؛ جزيرة داوود، وجزيرة لماضة، ومناطق واسعة بمحاذاة نجع عرب لحوته. في المواقع الثلاثة، يظهر أن النهر تمدد أفقيًا ليغمر أراضي طرح النهر والجزر النيلية المنخفضة، لتتحول سريعًا إلى بؤر غمر مبكر مع ذروة فيضان في نهاية سبتمبر 2025.
في جزيرة داوود بالمنوفية، بدت الأراضي الزراعية واضحة المعالم في أوائل سبتمبر 2025، لكن مع تصاعد الذروة بعد العاشر من الشهر اتسع عرض المجرى وغمرت المياه الحقول المحيطة، لتتحول بقع خضراء إلى مساحات داكنة مائية. ويكشف ذلك عن هشاشة العمران والزراعة على طرح النهر؛ حيث وجدت بعض المنازل نفسها داخل مسار الغمر مباشرة.

أما في جزيرة لماضة قرب مدينة أمون، فقد بدا المشهد أكثر دراماتيكية. الجزيرة التي كانت محاطة بالنيل من اتجاه واحد فقط صارت خلال الفيضان شبه معزولة، بعدما اتسعت المياه حولها من جهات متعددة. الصور أظهرت تسرب المياه بوضوح إلى عمق الحقول الزراعية شرق الجزيرة، لتتحول المساحات المنخفضة إلى مسطحات فيضية جديدة.

وفي نجع عرب لحوته بمحافظة الجيزة، تتجلى الظاهرة على نطاق أوسع. ففي بداية الشهر، كان المجرى ضيقًا نسبيًا والنجع ملاصقًا للضفة الزراعية، لكن بحلول منتصف سبتمبر 2025، اتسعت مساحة المياه بشكل غير مسبوق، وظهرت برك فيضية جانبية اخترقت المزارع المحيطة، حتى اقترب الغمر من التجمعات السكنية. هذا الامتداد يوضح بجلاء خطورة التوسع العمراني داخل الحزام الفيضي غير المحمي.

المحصلة أن هذه الجزر والنجوع—التي تمثل الامتداد الطبيعي للنيل أو ما يُعرف بـ”طرح النهر”—كانت خطوط المواجهة الأولى مع الموجة المائية. وصور Sentinel-2 أوضحت أن فيضان عام 2025 لم يكن مجرد ارتفاع موسمي عابر، بل موجة واسعة سمحت للنيل بابتلاع مساحات جديدة من الأراضي؛ وهو ما يشير إلى أن الخطر سيتكرر مع استمرار البناء أو الزراعة في مناطق مخصصة طبيعيًا لاحتواء الفيضانات.
في الختام، تُظهر المقارنة مع صور الأقمار الصناعية للعام الماضي عن فتح بوابات تصريف سد النهضة، وارتفاع واضح في منسوب النيلين الأزرق والأبيض، واتساع نطاق الغمر الفيضاني. ولم يقتصر هذا التغير على الخرطوم وحدها، بل امتد أثره شمالًا كما أوضحنا. وتؤكد هذه النتائج أن الجمع بين صور الأقمار الصناعية والوقائع الميدانية يمثل أداة أساسية لفهم الكوارث المائية ورصد المخاطر مبكرًا، بما يستدعي إعادة النظر في سياسات العمران والزراعة على ضفاف النيل لضمان القدرة على التكيّف مع فيضانات مقبلة قد تكون أشد وطأة.

















3 Responses
naturally like your web site however you need to take a look at the spelling on several of your posts. A number of them are rife with spelling problems and I find it very bothersome to tell the truth on the other hand I will surely come again again.
There is definately a lot to find out about this subject. I like all the points you made
I love the efforts you have put in this, regards for all the great articles.