في عام 1969، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ليفي إشكول: “من هم الفلسطينيون؟ عندما جئت إلى هنا كان هناك 250 ألفًا من غير اليهود، أغلبهم من العرب والبدو. كانت صحراء، أكثر من متخلفة، لا شيء فيها. لم يكن ثمة شيء سوى الفراغ. ولم يبدأوا بالاهتمام بأخذها منا إلا بعد أن جعلنا الصحراء تزهر”.
يجسد هذا التصريح بوضوح الخطاب الاستشراقي الذي استُخدم طويلًا تحت شعار “تزهير الصحراء” لتبرير المشروع الاستعماري. فقد صُوِّرت فلسطين باعتبارها أرضًا قاحلة، خالية، غير منتجة، تنتظر “التدخل المتمدن” عبر الاستيطان. غير أن هذه السردية لم تكن مجرد خطاب بل شكلت أداة عملية لمحو الوجود الفلسطيني، ثقافيًا وبيئيًا وديمغرافيًا.
منذ النكبة وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين، ظلّ هذا الخطاب حجر الزاوية في الرواية الصهيونية، وما زال يتردّد حتى اليوم في الإعلام الإسرائيلي والخطاب العام، سواء بشكل مباشر أو عبر إيحاءات متكرّرة. وظلّت وظيفته السياسية ثابتة؛ تلميع مشروع الاستيطان الاستعماري، وإضفاء شرعية زائفة على نظام الفصل العنصري عبر تصويره كـ”إحياء” لأرض وُصفت ظلمًا بالفراغ.
وعلى امتداد هذا المنطق الاستعماري، مارست إسرائيل استهدافًا متعمّدًا ومنهجيًا للبيئة في قطاع غزة، تدميرًا وتعطيلاً، تصاعد بشكل غير مسبوق منذ السابع من أكتوبر 2023. فالقصف المتواصل والانفجارات المتكرّرة وما أعقبها من شلل شبه كامل في البنية التحتية المدنية أدّت إلى تجريف الأراضي الزراعية، واقتلاع الغطاء الشجري، وتسميم التربة والهواء والمياه. النتيجة أن البيئة نفسها باتت تُدمَّر وتُقتَل، تمامًا كما تُزهق الأرواح التي تحتضنها.
تشير العديد من الدراسات إلى أن الأرض أصيبت بشللٍ دائم، فيما يحذّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة من خطر التصحّر طويل الأمد؛ إذ لم يعد التنوع البيولوجي، ولا البشر في غزة، قادرين على الاعتماد على الأرض من أجل البقاء. إنها مفارقة مأساوية وسوداء، حين نتذكّر تصريح ليفي إشكول الشهير.
ومع ذلك، يبدو أن تأثير هذا الدمار البيئي قد جرى تجاهله بصورة مزمنة، ومنهجية، ومتعمدة. في رأيي، إن تدمير البيئة في غزة — أي الإبادة البيئية التي ترتكبها إسرائيل — هو مرادف للإبادة الجماعية، إبادة طويلة وقاسية تجري ببطء شديد.
حتى سبتمبر/أيلول 2025، تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى مقتل ما يقرب من 65 ألف فلسطيني وإصابة نحو 170 ألفًا في غزة. ومع ذلك، فإن عدد الوفيات على المدى البعيد سيكون أكبر بكثير نتيجة الدمار البيئي، ما سيؤدي إلى حصيلة وفيات لا يمكن إحصاؤها ولا محاسبة أحد عليها.

دمرت إسرائيل كل أشكال الحياة في غزة بشكل ممنهج – المصدر: تنشر وفق رخصة المشاع الإبداعي
الإبادة البيئية
صاغ عالم الأحياء في جامعة ييل، البروفيسور آرثر غالستون، مصطلح “الإبادة البيئية” عام 1970 لوصف استخدام الجيش الأمريكي لمادة “العامل البرتقالي” في حرب فيتنام؛ وهي حرب كيميائية دمّرت الغابات وتسببت في السرطانات والأمراض العصبية والتشوّهات الخلقية لأكثر من مليون إنسان. وعرّف غالستون الإبادة البيئية بأنها “الدمار والتخريب الهادفان إلى تدمير بيئة مناطق جغرافية معينة على نحو يضر بجميع أشكال الحياة فيها”.
اليوم، تعمل منظمات مثل “أوقفوا الإبادة البيئية الدولية” على إدراج الإبادة البيئية كـ الجريمة الدولية الخامسة في نظام المحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان.
إن أفعال إسرائيل في غزة — التي تعترف بها الأمم المتحدة وخبراء حقوق الإنسان كإبادة جماعية — ينبغي الاعتراف بها أيضًا كإبادة بيئية؛ فكلتاهما متداخلتان، إذ تُنتج الإبادة البيئية وفيات لا تُحصى وتمتد بالإبادة الجماعية إلى ما بعد توقف القصف.
لقد شهد العالم هذا النمط من قبل في العراق، حين أطلقت الحرب الأمريكية اليورانيوم المنضب وحرائق النفط والنفايات السامة التي لوّثت الأرض والأجساد معًا. واليوم تسير غزة في المسار المأساوي ذاته: السموم تتسرّب إلى التربة واللحم، والمجاعة والمرض يشتدّان يومًا بعد يوم.
تدمير الغطاء النباتي
أظهرت بيانات الأقمار الصناعية في يناير ٢٠٢٥ أن ما لا يقل عن ٥٠٪ من الغطاء الشجري في غزة قد أُزيل، إلى جانب أضرار هائلة لحقت بالمزارع والأراضي الزراعية.
تكشف أحدث التقييمات الجيوفضائية المشتركة بين الفاو ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT) أنّ القدرة الزراعية في غزة انهارت بصورة غير مسبوقة؛ فحتى أبريل/نيسان 2025 باتت أقل من 5% من مساحة الأراضي المزروعة متاحة فعليًا للزراعة، بعد تضرّر أكثر من 80% من إجمالي المساحات وتعذّر الوصول إلى 77.8% منها، مع تلف 71.2% من البيوت المحمية و82.8% من الآبار—وهو ما يوقف عمليًا الإنتاج المحلي ويغذّي خطر المجاعة.
قبل الحرب كان القطاع الزراعي يشارك بنحو 10% من اقتصاد غزة؛ اليوم تبددت ركائزه المادية واللوجستية، ما يستلزم مسار تعافٍ طويل ومكلف لإعادة تأهيل الأرض والبنى المساندة.
هذا الانهيار الكارثي يتقاطع مع ما وثّقته وكالة الأمم المتحدة لحماية البيئة، التي أشارت إلى أن القطاع خسر منذ عام 2023، نتيجة القصف الإسرائيلي المتواصل، 97% من الأشجار المثمرة و95% من الشجيرات و82% من المحاصيل السنوية، ما أدى إلى أزمة غذائية وُصفت بأنها «حالة طوارئ غير مسبوقة».
كما تؤكد وكالات الأمم المتحدة ووزارة الزراعة في غزة أن نحو ثلاثة أرباع أشجار الزيتون في القطاع قد فُقدت منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. وشجرة الزيتون ليست مجرد محصول اقتصادي، بل رمز ثقافي عميق لدى الفلسطينيين ودلالة على السلام والأمل والصمود. وتشير تقارير عدة إلى أن استهداف محاصيل رمزية مثل الزيتون والنخيل والتين كان متعمدًا ومنهجيًا.
ومع اختفاء الغطاء الشجري، تفاقم تدهور التربة؛ إذ أدّت عمليات القصف والهدم إلى دمج ملوثات ومعادن سامة في طبقاتها. وحتى لو عادت المحاصيل للنمو يومًا ما، فإنها ستحمل هذه السموم إلى أجساد من يستهلكونها، ما يجعل أثر الحرب البيئي مستمرًا في الزمن والجسد معًا.
ويُكمل تحليل “أوزون” لصور الأقمار الصناعية المشهد، إذ تتبّع فريقنا عبر منصة كوبرنيكوس التغيرات في الغطاء النباتي داخل قطاع غزة مقارنةً بالمناطق الإسرائيلية المحيطة به. وقد امتدّ التحليل الزمني من سبتمبر/أيلول 2023 حتى أكتوبر/تشرين الأول 2025، ما أتاح توثيق الانهيار التدريجي للغطاء النباتي على مدى عامين كاملين.

صور الأقمار الصناعية من مهمة كوبرنيكوس توضح حجم تراجع الغطاء النباتي – تصميم: أوزون
وتُظهر الصور بوضوح أن الغطاء النباتي في غزة تراجع بصورة شبه كاملة، بعدما تحوّلت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمناطق الخضراء إلى أراضٍ قاحلة ذات انعكاس طيفي مرتفع، ما يدلّ على تفاقم التعرية والتصحّر. في المقابل، بقيت المسطحات الزراعية مزدهرة وكثيفة في غلاف غزة داخل المستوطنات الإسرائيلية المجاورة.
هذا التباين الحادّ يكشف أن الحرب لم تُدمّر البشر فحسب، بل دمّرت أيضًا البيئة التي يعيشون فيها، تاركةً القطاع في حالة انهيار بيئي شامل على بُعد سياج واحد فقط من أراضٍ ما زالت تنبض بالحياة.
ضياع البنية التحتية
يشمل تدمير إسرائيل للبنية التحتية المدنية في غزة، قبل وبعد أكتوبر/تشرين الأول 2023، أهم مورد للحياة: الماء. فالمصدر الوحيد للمياه العذبة في القطاع، الحوض الساحلي، كان منهكًا وملوثًا بتسرّب مياه البحر حتى قبل الحرب.
ومع تصاعد القصف واستخدام الأسلحة المتفجّرة، تفاقم الوضع بشكل خطير، إذ دمّرت الغارات أنظمة الصرف الصحي وأغرقت الحوض بالنفايات والمواد الكيميائية. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 85% من مرافق المياه والصرف الصحي في غزة تعرّضت للتدمير، بما في ذلك محطات التحلية، ومحطات الضخ، والآبار.
الأرض والبحر مشبَعان بالحطام السام؛ إذ يُقدر أن هناك نحو 61 مليون طن من الأنقاض الممزوجة بالأسبستوس والمعادن الثقيلة والذخائر غير المنفجرة وبقايا بشرية. هذا المزيج القاتل يحوّل غزة إلى مساحة ملوّثة يصعب ترميمها. كما أن الاستخدام المتكرر للفوسفور الأبيض من قبل إسرائيل — والمُوثّق في تقارير هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية منذ عام 2009 — أضاف طبقة جديدة من التلوث إلى تربة غزة وهوائها ومياهها، مخلِّفًا آثارًا سامة طويلة الأمد تهدّد الأحياء والبشر على حدّ سواء.
وبحلول أكتوبر/تشرين الأول 2024، أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن جميع محطات معالجة مياه الصرف الصحي الست في غزة توقفت عن العمل بسبب نقص الوقود والكهرباء الناتج عن الحصار الإسرائيلي، ما أدى إلى فيضان مياه الصرف في التربة والبحر والمياه الجوفية. واليوم، تشير البيانات إلى أن أكثر من 92% من مياه غزة غير صالحة للاستهلاك البشري، في أزمة مائية تُعد من أخطر الكوارث البيئية والصحية في العالم.
ويُظهر تحليل “أوزون” لصور الأقمار الصناعية، عبر منصة كوبرنيكوس الأوروبية، حجم الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية في القطاع. فمن مقارنة الصور الملتقطة بين سبتمبر/أيلول 2023 وأكتوبر/تشرين الأول 2025، يتضح التغير المأساوي في المشهد: اختفاء شبه كامل للكتل العمرانية في شمال وغرب القطاع،. هذه التحليلات الطيفية تؤكد أن الدمار المادي والبيئي متداخلان، وأن ما كان يُعرف ببنية الحياة في غزة تحول إلى نظام بيئي ملوث ومشلول يمتد أثره لعقود قادمة.

صور الأقمار الصناعية من مهمة كوبرنيكوس توضح حجم الدمار في بنايات غزة – تصميم: أوزون
انتهاك الجسد
في قلب الدمار المادي والبيئي، يمتد أثر الحرب إلى ما هو أعمق من الخراب الظاهر؛ إلى الجسد الإنساني نفسه، الذي أصبح ساحةً جديدة للتلوث والموت البطيء. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن تحلل الجثث بحدِّ ذاته لا يمثل خطرًا عالياً للعدوى، لكن وجود الرفات البشرية داخل ركام ملوث بمواد كيميائية وخطرة يخلق منظومة مخاطر مركّبة؛ إذ يسهم الغبار الملوّث والرشوح السائلة في نقل ملوّثاتٍ سامة ومسرطنة إلى الهواء والتربة والمياه الجوفية، مع تعرُّض مباشر قد يفاقم المشاكل الصحية—لا سيما أمراض الجهاز التنفسي والسرطانات واضطرابات الكلى والكبد.
لذلك ثمة حاجة ملحّة لعمليات إدارة آمنة للركام والنفايات، وإجراءات منظمة لدفن الجثث ومواقع الطمر تعزل الملوثات، بالإضافة إلى مراقبة بيئية وصحية مستمرة وتوفير معدات وقاية للعاملين وفرق الإنقاذ لحماية السكان والحدّ من انتقال التلوّث إلى سلاسل الغذاء والمياه.
ولم يتوافق دفن الجثث في غزة مع أي معايير بسبب استمرار الهجمات الإسرائيلية غير المتوقعة. وظهرت مقابر جماعية نُقلت إليها جثث بعد بدء التحلل، فيما بقيت جثث أخرى مكشوفة. وكثيراً ما يتعذر انتشالها فوراً بسبب خطورة عمليات الإنقاذ أو استحالتها في بعض المناطق، كما ذكرت قناة الجزيرة.
تحاول إسرائيل تبرير جرائمها بادعاء أنها تستهدف البنية التحتية والأرض، لا المدنيين. لكن كما رأينا في العراق، فإن تدمير الأرض هو تدمير للحياة ذاتها. فالإبادة البيئية والإبادة الجماعية ليستا فعلين منفصلين – بل أحدهما يضمن الآخر. فعندما تُسمّم التربة، وتُصبح المياه غير صالحة للشرب، ويغدو الهواء غير قابل للتنفس، يتبع الجسد الأرض إلى الفناء.
في غزة، تلفظ الأرض أنفاسها الأخيرة مع الأجساد التي كانت تغذيها يوماً. التربة التي كانت تطعم الأحياء باتت تحتضن الموتى، وسمومها تعود لتجري في دماء من تبقى. تحلل الأجساد وتحلل الأرض وجهان لدورة واحدة من الإبادة – دورة موت تنهار فيها الطبيعة والجسد معاً.

















One Response
Fantastic site you have here but I was wanting to know if you knew of any forums that cover the same topics discussed in this article? I’d really like to be a part of community where I can get comments from other experienced individuals that share the same interest. If you have any recommendations, please let me know. Cheers!