كوب 30 في البرازيل.. العالم يجتمع على أرض تحترق

شارك:

في مدينة بيليم البرازيلية، على ضفاف الأمازون، يجتمع العالم اليوم  في الدورة الثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (COP30)؛ إذ يمتد المؤتمر بين بين 10 و21 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.

لم يأت اختيار المدينة مصادفة؛ فالأمازون التي تمتص وحدها خُمس انبعاثات الكربون العالمية أصبحت اليوم واحدة من أكثر المناطق هشاشة أمام التغير المناخي، إذ تشهد ارتفاعاً غير مسبوق في الحرارة وتراجعاً حاداً في الأمطار. هنا، في قلب الغابات، يتحول النقاش عن الاحترار العالمي من فكرة علمية إلى مسألة حياة يومية، تتعلق بالماء والهواء ولقمة العيش.

يأتي المؤتمر في لحظة يتقاطع فيها الخطر المناخي مع الانقسام الجيوسياسي. فبعد قمم شرم الشيخ ودبي وباكو، دخلت مفاوضات المناخ مرحلة الحسم؛ حيث يوشك العالم على فقدان هدف الإبقاء على الاحترار دون 1.5 درجة مئوية. 

تؤكد تقارير الأمم المتحدة أن السياسات الحالية تقود إلى ارتفاع قد يبلغ 2.7 درجة مع نهاية القرن، ما يعني أن نصف البشرية تقريباً سيعيش في مناطق لا تصلح للحياة المنتظمة. من هنا وُلد شعار بيليم العملي، “من التعهّد إلى التنفيذ”.

لكن خلف هذا الشعار تكمن معركة الإرادة. إذ تشارك الولايات المتحدة، ثاني أكبر ملوث على الكوكب، بوفد مصغّر وسط شكوك حيال التزامها بعد الانتخابات. في حين تسعى الصين لتثبيت نفسها بوصفها شريك الجنوب لا خصمه، مقدّمة عروض تمويل وتعاون تكنولوجي لدول إفريقيا وآسيا. أما أوروبا، التي كانت تقود “الصفقة الخضراء”، فتتراجع تحت ضغط أزماتها الداخلية. 

في المقابل، ترفع دول الجنوب صوتها مطالبةً بـ”عدالة مناخية” حقيقية؛ تمويل ملموس وتعويضات عن الخسائر المتصاعدة، لا مجرد بيانات تضامن.

على أرض بيليم، تبدو المفارقة صارخة. المؤتمر يُعقد وسط أكبر غابة استوائية في العالم، لكنها غابة تنزف. أكثر من 18% من مساحة الأمازون اختفى بفعل الإزالة والحرق خلال العقود الأربعة الماضية، وإذا تجاوزت النسبة 20% كما يحذر العلماء، ستدخل الغابة مرحلة “التحول العكسي” — من مخزن للكربون إلى مصدر صافٍ له. لهذا تحاول البرازيل، بقيادة الرئيس لولا دا سيلفا، تحويل المؤتمر إلى إعلان أخلاقي وسياسي في آن واحد: “حماية الأمازون ليست قضية محلية، بل معادلة وجودية للكوكب بأسره”.

التمويل والأسواق الكربونية

إذا كان مؤتمر بيليم يرفع شعار “من التعهّد إلى التنفيذ”، فإن ساحة الاختبار الحقيقية هي التمويل. فمن دون المال، تبقى كل وعود خفض الانبعاثات مجرد حبر على الورق. في مؤتمر باكو السابق، اتفقت الدول على هدف تمويل جديد يبلغ 300 مليار دولار سنوياً بحلول 2035، لكنه بدا متواضعاً أمام حجم التحدي، إذ تُقدّر الأمم المتحدة حاجة الدول النامية بأكثر من تريليون دولار سنوياً للتكيّف مع الظواهر المتطرفة. 

لذلك تسعى البرازيل إلى تحويل هذا الهدف إلى خطة تعبئة تبلغ 1.3 تريليون دولار سنوياً من مصادر عامة وخاصة، ضمن ما تصفه بـ”خارطة الطريق من باكو إلى بيليم”.

غير أن المعركة لا تدور حول الأرقام فحسب، بل حول العدالة. فالدول النامية تؤكد أن الغرب، الذي راكم ثرواته على مدى قرنين من التصنيع، يتهرّب من سداد فاتورة تاريخه الكربوني، فيما ترى الدول الصناعية أن المسؤولية أصبحت مشتركة بعد صعود الصين والهند. 

بين هذا الشد والجذب تحاول البرازيل أن تلعب دور الوسيط، طارحةً  نفسها كصوت جنوبي قادر على مخاطبة الشمال بلغته. وقد أعلن الرئيس لولا إطلاق “التحالف من أجل التنفيذ”، وهو تجمع مرن من الدول الساعية إلى نقل التمويل من مرحلة الوعود إلى مرحلة الصرف الفعلي، تحت رقابة شفافة تضمن أن تصل الأموال إلى مشاريع الطاقة النظيفة والتكيّف الحقيقي لا إلى بيروقراطيات الحكومات.

في الوقت ذاته، يواجه المؤتمر سؤالاً لا يقل حساسية حول أسواق الكربون. فالمادة السادسة من اتفاق باريس، التي تتيح للدول شراء أرصدة مقابل خفض الانبعاثات في دول أخرى، تحولت إلى محور جدل عالمي. البعض يراها وسيلة مبتكرة للتمويل الأخضر، فيما يصفها آخرون بأنها “صكوك غفران مناخية” تتيح للأغنياء التلوث مقابل المال. في بيليم، تسعى البرازيل إلى إعادة صياغة هذه الآلية بحيث ترتبط بمشروعات حقيقية على الأرض، وتشمل آليات صارمة لمنع العد المزدوج وضمان النزاهة البيئية.

تغري الأسواق الكربونية الحكومات لأنها تمنح حلاً اقتصادياً سريعاً، لكنها تشكل أيضاً خطراً كبيراً إذا أُسيء استخدامها. فهي قد تتحول إلى شبكة تُخفي استمرار الانبعاثات بدل الحد منها. لذلك يسعى المفاوضون إلى إيجاد توازن بين الجدوى والمصداقية، مع إشراف دولي صارم ومشاركة من القطاع الخاص والمجتمع المدني. 

فالمال وحده لا يكفي، إن لم يُترجم إلى تغيّر ملموس في سياسات الطاقة والزراعة والنقل. في النهاية، التمويل هو الأوكسجين الذي يُبقي اتفاق باريس على قيد الحياة، والأسواق الكربونية هي رئته التي إن مرضت، اختنق معها العالم.

الأمازون والعدالة المناخية

مع افتتاح مؤتمر المناخ هذا العام ستكون الغابة بطلته الصامتة. فالأمازون ليست مجرد مساحة خضراء شاسعة، بل ميزان حرارة الكوكب ومخزونه الحيوي من الكربون. تمتد على أكثر من سبعة ملايين كيلومتر مربع، وتنتج خُمس الأوكسجين العالمي. ومع ذلك، تقف اليوم على حافة الانهيار، يلتهمها الحريق وتغزوها مشاريع النفط والزراعة. إنها المفارقة الكبرى؛ مؤتمر لإنقاذ المناخ يُعقد في مكان يختبر يومياً معنى الخسارة البيئية.

تحاول البرازيل قلب هذه المفارقة إلى رسالة للعالم. فالرئيس لولا دا سيلفا يريد تحويل الأمازون إلى نموذج للعدالة المناخية، حيث يُكافأ من يحافظ على الغابة كما يُكافأ من يبني مصنعاً. ومن هنا أطلقت حكومته مبادرة “صندوق الغابات الاستوائية إلى الأبد (TFFF)”، وهي رؤية تمويلية مبتكرة تقوم على فكرة “الوقف البيئي”: استثمار دولي ضخم تُستخدم عوائده لدعم المجتمعات المحلية وصغار المزارعين بشرط إبقاء الغابة قائمة. لاقت الفكرة دعماً من الاتحاد الأوروبي واهتماماً من الصين، واعتُبرت محاولة لتغيير فلسفة التنمية من استغلال الطبيعة إلى صونها كمورد دائم.

لكن العدالة المناخية لا تُقاس بالتمويل وحده. فالغابة مجتمع حيّ يسكنه الملايين من أبناء الشعوب الأصلية الذين طالما استُبعدوا من المفاوضات. هؤلاء وجدوا في مؤتمر بيليم فرصة لإسماع صوتهم، مطالبين بحماية أراضيهم والاعتراف بدورهم كحرّاس للطبيعة لا كعقبة أمام التقدم. لهذا خصصت الرئاسة البرازيلية مساراً خاصاً بعنوان “المجتمعات المحلية والشعوب الأصلية”، في محاولة لإعادة تعريف العدالة المناخية بوصفها حقاً في البقاء والمعرفة لا مجرد تعويض مالي.

ورغم الزخم الأخلاقي للمؤتمر، فإن التناقضات لا تغيب عن المشهد. فقبل أسابيع فقط، منحت الحكومة ترخيصاً جديداً لشركة “بتروبراس” للتنقيب عن النفط قرب مصب نهر الأمازون، ما أثار انتقادات حادة وألقى بظلال من الشك على صدقية البرازيل نفسها. 

والآن بات العالم أمام معضلة التحول الأخضر في صورتها الصريحة؛ كيف يمكن لدولة نامية أن تحمي غاباتها وتخفض انبعاثاتها بينما تعتمد اقتصادياً على تصدير النفط وفول الصويا واللحوم؟

وسط هذه التناقضات، تحاول قمة بيليم أن تصوغ سردية أوضح؛ تحول عادل يضع الإنسان والطبيعة في قلب القرار، ونظام اقتصادي يكافئ من يحمي الغابات لا من يدمّرها. إذ لم تجنِ دول الجنوب ثمار الثورة الصناعية كما جنتها الدول الغنية، والآن تعلن رفضها لدفع فاتورة لا تخصها.

ومن هنا تبرز معادلة واضحة؛ العدالة المناخية ليست شعارًا أخلاقيًا، بل شرط بقاء. مبدؤها بسيط وعادل: من لوّث أكثر يموّل أكثر، ومن يحمي الطبيعة يستحق نصيبه العادل من المال والتكنولوجيا والفرص. هذا هو المطلب الذي يتجدّد مع كل قمة مناخ سنويًا.

شارك:

Picture of فريق أوزون

فريق أوزون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

logo-oxary
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et dolore