رغم الزخم الدولي الكبير الذي سبق انعقاد مؤتمر المناخ كوب 30 في مدينة بيليم البرازيلية، خرج المؤتمر الذي اختتم أعماله مطلع الأسبوع الجاري بنتائج وصفها كثيرون بالمُخيبة للآمال، بعد أسبوعين من المفاوضات المحتدمة، مع تفاقم مساحات الخلاف التي سادت المحادثات بين الدول المتقدمة والدول النامية.
لم تنجح الوثيقة الختامية لـ كوب 30 والتي تُعرف بـ “حزمة بيليم السياسية” في الخروج بأي صيغة ملزمة حيال التمويل المناخي وخفض الانبعاثات، الأمر الذي أثار تحفّظ مفاوضي الدول النامية وممثلي مجتمع المدني والنشطاء البيئيين.
حيث جاءت بعد مخاضٍ عسير لمحادثات كادت تنتهي بإخفاقٍ وفشل في الوصول إلى إجماع دولي حول القضايا المطروحة، إلا أنها شكّلت في صورتها النهائية البناء الذي وافقت عليه الدول على مضض.
تضمن الاتفاق الإشارة إلى زيادة تمويل التكيف ثلاث مرات بحلول عام 2035، كذلك إنشاء خارطة طريق لرصد التقدم عبر 59 مؤشرًا طوعيًا، يغطي قطاعات المياه، الصحة، البنية التحتية، النظم البيئية، والتعليم المناخي. كما تم إنشاء آلية بيليم لدعم الانتقال العادل نحو اقتصاد منخفض الكربون، مع مراعاة حقوق العمال والمجتمعات المحلية.
الوثيقة التي بُنيت بالكامل على نهج طوعي غير مُلزم، خلت تمامًا من أي إشارة لخطة الابتعاد عن الوقود الأحفوري، وأكدت في المقابل على بنود تمويل التكيف واستمرار دعم الخسائر والأضرار للدول النامية، لكنها لم تُجب على السؤال الرئيسي، من يتحمّل فاتورة هذه الأعباء؟ حسبما أوضح خبراء في تصريحاتهم لـ”أوزون”.
إضعاف المسار التفاوضي
ويرى المهندس بلال الشقارين، مدير التغير المناخي في وزارة البيئة الأردنية ورئيس الوفد التفاوضي، أن رئاسة مؤتمر الأطراف كوب 30 أخفقت في النهج الذي اتبعته لإدارة المفاوضات، إذ اتجهت نحو محاولة حشد الزخم الدولي عبر مقاربة طوعية وغير تقليدية، لكنها في الواقع أضعفت المسار التفاوضي بدلًا من دعمه.
ويشير في حديثه لـ”أوزون” إلى أن رئاسة المؤتمر اختارت لأول مرة التفاوض بمنهج الحزمة الواحدة بدلًا من مناقشة كل بند بمفرده، ما حوّل المفاوضات إلى عملية مساومة سياسية واسعة، تُرضَخ فيها الدول للقبول بأقل من الاستحقاق الحقيقي المطلوب لمواجهة الأزمة المناخية.
ويلفت الشقارين إلى أن الدول النامية دخلت المؤتمر بأجندة واضحة تتصدّرها المطالبة بمضاعفة تمويل التكيّف إلى ثلاثة أضعاف على الأقل، إلّا أن النص النهائي جاء بصيغة “نشجع على الرفع”، وهو ما يصفه بلغة هزلية وفضفاضة لا ترقى إلى أي التزام فعلي، الأمر ذاته تكرر في ملف الخسائر والأضرار، وفي كل البنود التي كان من المفترض أن تشكّل تقدّمًا ملموسًا للدول الأكثر هشاشة كما يوضح.
النظام الدولي للعمل المناخي يواجه “أزمة هوية حقيقة” تتطلب إعادة ضبط شاملة قبل أن تنهار مصداقيته بشكل تام، حسبما يرى الشقارين، لافتًا إلى أن الخلافات والانقسامات التي شهدتها المفاوضات هي ذاتها التي تتكرر منذ سنوات، وفقًا لأولويات الدول وتحالفاتها ومصالحها، لكنها تظهر في كل قمة بأشكال مختلفة، فالانقسام الجوهري ظلّ قائمًا بين الدول التي تطالب بخروج منظّم من الوقود الأحفوري، وأخرى تعارض ذلك بشدة، وهي الدول المنتجة للنفط بالأساس.
تقدم جزئي.. لكنه غير كافٍ
من جانبه، يرى سريرام مادوسودانان، مدير السياسات ومناصرة المناخ في شبكة العمل المناخي الأمريكية، أن مؤتمر الأطراف هذا العام حقق تقدمًا جزئيًا في بعض المسارات لكنه يظل غير كافٍ لمواجهة الأزمة المناخية، معتبرًا أن إنشاء آلية تنسيق جديدة ضمن برنامج عمل الانتقال العادل (JTWP) خطوة مهمة للمجتمعات الأكثر تأثرًا بالأزمة، كذلك الشعوب الأصلية الذين طالبوا لسنوات باعتراف بحقوقهم داخل المفاوضات المناخية.
ويضيف في تصريحاته لـ “أوزون” أن هذه الآلية تمثل أقوى لغة قائمة على الحقوق تظهر في قرار صادر عن مؤتمرات الأطراف، خاصة مع تأكيدها على ضرورة أن يكون تمويل الانتقال العادل في صورة منح لا تخلق مزيدًا من الديون على الدول الهشة.
وبرغم أهمية “مرفق الغابات الاستوائية إلى الأبد” (TFFF) الذي أطلقته رئاسة المؤتمر بهدف تعبئة التمويل لصالح الدول النامية التي تحافظ على غاباتها، فإن جوهر هذا المرفق يقوم على نموذج “تساقط العوائد” الذي يفضّل الشركات الخاصة والدول المانحة أولًا كما يوضح. فمع أن 20% من العوائد مخصّصة لمبادرات صون الطبيعة بقيادة الشعوب الأصلية، يظل الجزء الأكبر من الأموال داخل الأسواق المالية، ولا يغطي إلا نسبة محدودة من مئات المليارات اللازمة سنويًا لحماية الغابات، بحسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة.
ويشدد مادوسودانان على أن هذا التقدم لا يخفي حقيقة أن الحزمة النهائية بقيت أقل بكثير من مستوى حالة الطوارئ المناخية، في ظل غياب الوفد الأميركي الذي يعد سابقة تاريخية في مؤتمرات الأطراف، إلا أنّ الولايات المتحدة لم تكن وحدها العائق أمام التقدّم في المفاوضات كما يشير، في ظلّ نظام العمل القائم على التوافق والذي يسهّل تعطيل المسارات بمجرد اعتراض دولة واحدة.
إقرأ أيضًا: كوب 30 في البرازيل.. العالم يجتمع على أرض تحترق
متابعًا: كثير من دول الشمال وبخاصة الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة احتمت بالموقف الأمريكي لإبطاء المفاوضات وعرقلة التقّدم في مساراتٍ عدة، الأمر الذي حمّلها جزءًا كبيرًا من المسؤولية عن ضعف النتائج النهائية في ملف التكيّف. كما أن حضور أكثر من 1600 ممثل من جماعات الضغط لصناعة الوقود الأحفوري والصناعات الملوثة في المؤتمر، – ما يعادل شخصًا واحدًا من كل 25 مشاركًا- جعل من الصعب جدًا إدراج أي لغة واضحة وملزمة لتقليص اعتماد العالم على الفحم والنفط والغاز،
النفوذ السياسي لهذه الجماعات كان له تأثير بالغ على طاولة المفاوضات خلال المؤتمر، حسبما يرى مادوسودانان، الأمر الذي حال دون تضمين لغة حاسمة، كان بإمكانها أن تعطي دفعة قوية للعقد الجديد من العمل المناخي كما يؤكد في تصريحه لأوزون.
















